ربما يبدو موضوعا مكررا في ظاهره، لكنه متجدد في حقيقته، لأن جذوره عميقة، وآثاره ممتدة، وعلاجه طويل، قد يستغرق منا سنوات، لكنه ليس مستعصيا طالما كانت النيات صادقة والإرادة متوفرة، وهذا ما تقوله التصريحات الأخيرة للفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية رئيس المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية، الذي أكد خلال ترؤسه للاجتماع الثالث للمجلس، قبل أسبوعين، أن الحكومة تعمل على معالجة خلل التركيبة السكانية، بما يحقق التوازن المطلوب بين مسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها البلاد، والثوابت الوطنية العامة التي تعزز مصالح الوطن وأبنائه، وتلبي حقهم المشروع في مستقبل آمن وواعد يجسّد رؤية قيادة البلاد.
هذا الخلل الذي يتفق الجميع على وجوده، ليس وليد اللحظة، وإنما هو نتيجة تراكمات نعرفها جميعا، لذلك فإن أول مراحل علاجه هو أن نتصارح حول أسبابه؛ هذه الأسباب التي يعود جزء كبير منها إلى مشاريع التنمية الاقتصادية، التي فتحت الباب واسعا أمام دخول عدد كبير من العمالة الوافدة التي أوجدت هذا الخلل، لذلك جاءت تصريحات الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، في الصميم، ووضعت يدها على الموطن الأول للخلل، عندما أكد سموه أهمية تقوية وتمكين المواطنين من مفاتيح الاقتصاد، من خلال مساهمتهم في وظائف القطاع الخاص، ورفع نسبة مشاركتهم في إنشاء الشركات والأعمال الخاصة وغيرها.
مساهمة المواطنين في وظائف القطاع الخاص، تحتاج إلى قرار من السلطات العليا، وفق ما أثبتت تجارب السنوات الماضية، لأن كل محاولات إصلاح خلل التركيبة عبر هذا الحل ذهبت أدراج الرياح، فلا المسيطرون على القطاع الخاص استجابوا للنداءات المتكررة، ولا المواطنون وجدوا البيئة المناسبة للعمل في هذا القطاع الذي لم يرحب بهم، هربا من تحمل مسؤولياته في توفير مستوى مناسب للمواطنين الذين يبحثون عن وضع وظيفي لائق في بلدهم، إضافة إلى الراتب الذي يفي بمتطلبات الحياة في بلد مثل الإمارات، التي تتمتع بمستوى معيشي مرتفع، لا يتناسب مع الرواتب التي يقدمها أغلب وظائف القطاع الخاص، لذلك ظل هذا القطاع بيئة طاردة للمواطنين، بدليل أن نسبة التوطين فيه حتى الآن لم تتجاوز 05.٪، وفق الدراسة التي نشرتها «مؤسسة الإمارات للنفع العام» مؤخرا، وغدا الثغرة الأكبر التي يتسلل منها الخلل الذي نبحث له عن علاج.
ومثلما تتطلب مساهمة المواطنين في وظائف القطاع الخاص قرارا، فإن رفع نسبة مشاركتهم في إنشاء الشركات والأعمال الخاصة، يتطلب هو الآخر خطوات وقرارات من الجهات الحكومية، ممثَّلةً في دوائر التنمية الاقتصادية المحلية ووزارة العمل الاتحادية التي يقع عليها الدور الأكبر في تشجيع المواطنين على ارتياد هذا المجال، فما تفرضه دوائر التنمية الاقتصادية من رسوم وشروط على إصدار الرخص التجارية، يجعل أي مواطن يتردد كثيرا في الإقدام على خوض مجال العمل الحر، إضافة إلى الرسوم التي تفرضها وزارة العمل على إصدار تأشيرات العاملين وبطاقات العمل، والضمانات البنكية التي تطلبها، كل هذه الأعباء تجعل المواطن يقدِّم رجلا ويؤخر أخرى وهو يفكر في تأسيس مشروع تجاري يخرج به من إطار الوظيفة، حكومية كانت أو خاصة، وإن كان يشكر لوزارة العمل ما اتخذته مؤخرا من قرارات سوف تسهم في تنظيم سوق العمل، وتدوير العمالة داخل الدولة والحد من استيراد المزيد منها.
فإذا أضفنا إلى كل هذا حالة الاحتكار في سوق الإمارات، التي تمنح غير المواطنين هامشا واسعا وفرصا كبيرة للقضاء على أي محاولة لاختراق السوق، وتقضي على أي منافس يحاول اقتسام الكعكة التي يستأثر بها الذين يمسكون بمفاتيح السوق منذ أمد بعيد، إذا أضفنا كل هذا إلى ما سبق، نجد أن الحل يتطلب قرارات جريئة تحطم كل هذه القيود، وتكسر احتكار السوق من قبل مجموعات نعرفها جميعا، ولا تخفى بطبيعة الحال على سمو رئيس المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية، ولا على أعضاء المجلس الذين يعملون كفريق واحد للبحث عن الحلول المناسبة لهذه المعضلة، التي تفاقمت وأصبحت هاجسا يؤرق المواطنين والمسؤولين على حد سواء.
لقد قام المجلس منذ إنشائه بطرح العديد من المبادرات، والتي كان منها مبادرته بشأن العمل المرن أو العمل المؤقت التي تسهم في تحقيق مجموعة من الأهداف؛ منها تقليل العمالة الوافدة، والاستفادة من الكفاءات الموجودة التي لديها قدرة على العمل الإضافي. وما زال المجلس يقوم بدراسة مبادرات جديدة للبدء في تنفيذها مع الجهات الحكومية ذات العلاقة، إلى جانب دراسة مبادرات من شأنها خلق فرص عمل جديدة للمواطنين، وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة في بعض المهن الهامشية ذات المهارات المنخفضة.
كل هذا جهد مشكور يصب في خانة تحقيق أهداف المجلس، الذي نعتقد أن الطريق ما زال طويلا أمامه، لأن القضاء على مشكلة تفاقمت عبر عشرات السنين لن يتم بين يوم وليلة، ولأن بعض القرارات لا تحتاج إلى حساب الأرباح والخسائر فقط، بل تحتاج إلى حساب المخاطر أيضا، ولا نعتقد أن ثمة خطرا أكبر على المجتمع من ضياع هويته، ورهن اقتصاده في يد غير أبنائه. وهذا ما نعتقد أن المجلس يضعه نصب عينيه ويتحرك انطلاقا منه، وهو الذي سيقود إلى قرارات تضع حدا لهذا الخلل، وتتعامل معه على أنه أولوية.
بقي علينا نحن المواطنين، ألا نقف من جهود المجلس موقف المتفرجين، وسوف يتطلب منا هذا شيئا من التضحيات، لكنها تضحيات ضرورية كي يتكامل دور المجلس مع دورنا. لذلك مطلوب منا أن نفكر في مصلحة الوطن قبل مصالحنا الخاصة، لأن الوطن فوق الجميع، ومصلحته هي الأولى، والتضحية بهذه المصلحة تضحية بالوطن نفسه.