في جردة العام المنصرم، أنهي بالحديث عن كتاب قرأته يتصل بالأزمة العالمية الراهنة، وهو عمل فلسفي لمؤلفه الفرنسي مارسيل غوشيه، بعنوان «محنة الأنظمة الشمولية»، وهو يشكل الجزء الثالث من مشروعه الكبير: مجيء الديمقراطية. نحن إزاء كتاب من العيار الثقيل، من حيث أهمية موضوعه وراهنية مسائله وجدة مقارباته، وغوص تحليلاته. وفيه يتناول غوشيه الظاهرة الشمولية التي عرفتها أوروبا وعانت منها، بين الحربين العالميتين، كما تجسدت في أنظمتها الثلاثة: البولشفية في روسيا بزعامة ستالين، والنازية في ألمانيا بزعامة هتلر، والفاشية في إيطاليا بزعامة موسوليني.
رهان المؤلف في محاولته أن يبيّن، وبعكس الرأي الشائع، أن محور الصراع في القرن العشرين لم يكن بين التقدمية والفاشية، بل بين الديمقراطية والشمولية. ولا أدعي أنني سوف أقدم ملخصاً عن الكتاب الضخم. أشير في هذه العُجالة، وبعد قراءة سريعة في الكتاب، وبالاستناد أيضاً إلى الحوارات الموجزة، ولكن الغنية والمفيدة، التي أجريت مع المؤلف في المجلات والصحف الفرنسية، إلى أهم مزايا الكتاب..
الأولى؛ هي التمييز الدقيق بين المفاهيم، وسط ما يسود من الخلط والتشوش. مثال ذلك التمييز بين النظام السلطوي الاستبدادي، والنظام الكلي الشمولي. صحيح أن كليهما يستخدم العنف، بهذه الدرجة أو تلك، ولكن ذلك لا يكفي للتفريق بينهما. ثمة معايير أخرى، فالنظام السلطوي ليست له اهتمامات أيديولوجية، لأن هاجسه هو الحفاظ على النظام القائم، ولذا فشعاره هو عدم تسييس الأمور، أي إبعاد الناس عن الاشتغال بالسياسة.
أما النظام الشمولي فهو نظام ثوري، ولكن محافظ، ولذا فهو يسعى إلى قلب الأوضاع بالقوة؛ وهو إلى ذلك يسعى إلى قولبة الجموع وتعبئتها، من خلال مشروع أيديولوجي محرِّك أو شعار موحِّد. ولذا فهو يعمل على صهر الجماهير والحزب والدولة في كل متماسك، بالتماهي مع رمز واحد، تحت قيادة زعيم أوحد، ينطق باسم الجموع ويعبر عن همومها وهواجسها، وربما عن مخاوفها وأحقادها.
الثانية؛ أن المؤلف يعالج موضوعه الشائك بعقل مرن وفكر مركب، بعيداً عن الاختزال المخل والتبسيط الأحادي، وذلك بالكشف عما تنطوي عليه الظاهرة الشمولية من الالتباس والتعقيد. فهي في نظر غوشيه «لغز» ينبغي فكّ شيفراته أو تبديد غموضه. من ذلك تبيانه أن النظام الشمولي حديث من حيث أدواته وأجهزته، وآلته الجبارة في الحشد والتنظيم والسيطرة على البشر، ولكنه قديم، بل ذو طابع ديني، من حيث بنيته وتراتبيته ونمط اشتغاله، إذ هو يرمي إلى إنتاج مجتمع يقوم على إجماع العقول ووحدة الإيمان وصفاء العقيدة وانغلاق الهوية. قد تختلف الأنظمة الشمولية، في ما بينها، وربما تتناقض، كما تتعارض الاشتراكية الستالينية مع القومية النازية. ولكن منطق عملها واحد: اتحاد البشر بالتماهي مع سلطة تربطهم بمبدأ مقدس أو متعالٍ، يتجاوزهم ويقع خارجهم. لهذا يجمع النظام الشمولي بين النقيضين: هو ثوري ماضوي، بقدر ما هو حداثي رجعي. من هنا يصفه غوشيه بأنه «دين علماني»، أو دين مضادّ للدين.
الثالثة؛ أن الديمقراطية ليست فردوساً، وإنما هي نظام يصنع مأزقه ويولد نقائضه. والشاهد على ذلك أنّ النظام الشمولي هو وليد الاقتراع العام وفقاً للآلية الديمقراطية، بقدر ما هو وليد أزمة المجتمعات الديمقراطية والأنظمة الليبرالية.
من هنا تحتاج الديمقراطية، على الدوام، إلى أن يعاد اختراعها وصوغها. وهذا ما حدث وما يحاول غوشيه التأكيد عليه. فالديمقراطية المنتصرة، التي أعقبت إخفاق الأنظمة الشمولية وكوارثها، لم تبقَ على ما هي عليه، بل تغيّرت وتطوّرت لكي تكتسي صيغة جديدة مثلثة التوجّه، سواء من حيث علاقتها بالليبرالية الاقتصادية، أو بإدارة الشأن المشترك المجتمعي والحقوقي والسياسي، أو بالموقع الذي تحتله السياسة في هذا الكل التاريخي.
النقطة الاخيرة؛ تتعلق بما يسميه غوشيه «هُوّة» التاريخ، ومفاد ذلك أن الفاعلين الاجتماعيين، من أصحاب المشاريع الذين يدعون إلى تغيير الواقع أو يدّعون صنع الأحداث، يجهلون في أكثر الأحيان ما يقومون بصنعه. من ذلك أن الذين دعوا إلى الثورة على جبهة الأنظمة الشمولية لم يقوموا بها، بل خلّفوا الخرائب ولوائح الضحايا، في حين أن الديمقراطيات، التي لا تدعو أصلاً إلى الثورة، قد أحدثت تغييرات سياسية ثورية جدّدت بها نفسها، من حيث لا تحتسب.
من هنا يؤكد غوشيه أن كلا المعسكرين، الشمولي والديمقراطي، كان يجهل هويته، وأن السياسات التي طبعت القرن العشرين، لم تخضع لعمل الفهم والكشف، من قبل أصحابها، بل ظلت في العتمة، غير مدركة، كلغز أو كشيء خفي يلعب من وراء إرادة الفاعلين، ويقودهم إلى عكس ما خططوا له. هذه النتيجة، التي يعتبرها غوشيه الدرس المستخلص من مجريات القرن العشرين، وهو أن أصحاب المشاريع الكبيرة، من الذين ادعو إحكام السيطرة على المجتمعات، قد وصلوا إلى نتائج معكوسة، ليست جديدة بالنسبة لي. فأنا ما فتئت أكرر، منذ انخراطي في نقد المشاريع الأيديولوجية (القومية واليسارية والإسلامية) في العالم العربي، بأن المآلات هي بعكس الادعاءات، وأن الشعارات قد ترجمت بأضدادها على أرض الواقع.
لا أريد أن أنهي هذا الكلام على الشمولية الأوروبية، دون التطرق إلى نظائرها المعاصرة في المجتمعات العربية والإسلامية، كما تتجسد في المشاريع والحكومات أو المنظمات الأصولية الدينية.
هنا آصرة قوية تجمع بين الشمولية والأصولية، ممّا يحملني عادةً على وصف الشمولية بالأصولية وبالعكس. فكلاهما تدعي احتكار الحقيقة، وكلاهما تعمل تحت شعار مطلق ومقدس، وكلاهما تشتغل بمنطق الاصطفاء للذات والإلغاء للآخر، وكلاهما تستمر وتبقى بخلق أعداء في الداخل والخارج لمحاربتهم، باختصار؛ كلاهما تقدم نفسها بوصفها خشبة خلاص.
وتلك هي محنة المعنى، في ما يخصّ علاقتنا بالقيم والمبادئ والمثل، فيما وراء محنة الشموليات والأصوليات. ولذلك فالدرس المستخلص هو ممارسة التواضع الوجودي والتقى الفكري، بخفض السقف الرمزي من المطلقات والمتعاليات، والتخلي عن مزاعم القبض والسيطرة أو عقلية الاحتكار والمصادرة، للاشتغال بعقلية التوسّط والتسوية والمصالحة والشراكة.