ليس من عادة دولة الإمارات العربية المتحدة أن تثير العداوات لنفسها مع دول العالم، فهذا النهج ليس من أسس سياستها الخارجية ولم يكن في يوم من الأيام أسلوباً من أساليبها الدبلوماسية، بل هي على العكس من ذلك تماما، ظلت منذ نشأتها دولة راغبة وساعية في تحقيق أقصى أنواع التعاون في العلاقة مع دول العالم. فمنذ بدايات النشأة، ورغم الظروف الخطيرة التي كانت تحيط بالدولة الحديثة، ورغم الألغام الكثيرة لإثارة الفتنة في علاقة دولة الإمارات مع دول عدة، إلا أن حكمة السياسة الإماراتية أبعدتها عن كل ذلك، فعملت على إقامة علاقات طيبة مع جميع الدول، حتى تلك التي كانت تحمل نوايا سيئة للدولة الجديدة. ورغم علاقاتها المميزة مع الولايات المتحدة لم تتوانى دولة الإمارات عن انتقاد السياسة الأمريكية الداعمة لإسرائيل، ولكن ذلك الانتقاد لم يؤد إلى العداء مع واشنطن؛ وحتى عندما قامت الحرب العراقية ـــ الإيرانية ظلت الإمارات في حيادها الإيجابي ولم تسع لإثارة العداوات مع الدول المتحاربة؛ ولما كان العالم من حولها يعادي الاتحاد السوفيتي، كانت نظرة الإمارات بعيدة عن أسس العداوة مع موسكو؛ وعندما انقلب العالم ضد العراق في التسعينيات أبقت الدولة على خيوط اتصال إيجابية مع العراق ووقفت مع الشعب العراقي؛ وحتى عندما بدأت المواجهة مع الإرهاب كانت الدولة تقف قلباً وقالباً مع رفض الإرهاب ورفض العدوان، وكانت تدعو إلى التسامح بين الشعوب ورفض العداوات.
هذه هي دولة الإمارات التي أثبتت خبرة علاقتها الخارجية بأنها دولة محبة للسلام وتسعى لتحقيق الخير للجميع ولا تعمل على معاداة أحد على الإطلاق. وما يحدث في الفترة الراهنة من توتر في العلاقة بين دولة الإمارات وكندا ليس مردّه إلا الجهل القائم لدى الطرف الآخر عن الأسس التي تقوم عليها الدولة وتسير من خلالها سياستها الخارجية. إن دولة الإمارات تلتزم بالمبادئ الدولية في العلاقات بين الدول ومن ضمنها مبدأ ضرورة العمل على تحقيق المصلحة والمنفعة المشتركة في علاقة الدول فيما بينها، فهي تُغلب المصلحة المشتركة وتبادل المنفعة على الاستئثار بتحقيق مصالحها على حساب الغير. إلا أنه لا يبدو أن الكنديين ينظرون في علاقتهم مع الإمارات بهذا المبدأ الأساسي الذي تعترف به جميع الدول. وكأن المصلحة والمنفعة يجب أن لا تكون مشتركة، بل أن النفع الذي يجب أن يأتيهم من علاقتهم مع بعض الدول يجب أن يكون أكثر من النفع الذي يأتي لمثل تلك الدول من علاقتها بكندا. وهذا المبدأ الغير متكافئ مرفوض كل الرفض في سياسة الإمارات الخارجية وفي علاقتها مع دول العالم مهما كانت تلك الدول.
إن أكثر ما لا يروق لدولة الإمارات هو أن يتم معاملتها من قبل بعض الدول بأقل مما تعاملها به. هذا الاتجاه مرفوض لدى دولتنا حكومة وشعباً، ولا يمكن أن يقبل على الإطلاق، لاسيما إذا ما علمنا بأننا دولة نضع دائماً المصالح المشتركة نصب أعيننا، ولا نعمل على تغليب مصالحنا على حساب الآخرين. إن التوجه الكندي وللأسف الشديد لم يدرك هذه الحقيقة، وكأنه يود التعامل معنا بمنطقه الخاص به. فالإمارات التي فتحت أبوابها بصدر رحب للكنديين للعمل والاستثمار والعيش فيها، لا يمكن أن تقبل إلا بمثل المعاملة لرعاياها ومصالحها. فلا يمكن أن يتصور الكنديون في يوم من الأيام بأن أبوظبي يمكن أن ترضخ لما تريده أوتاوا إذا لم تكن العلاقة قائمة على مبدأ الاحترام المتبادل. فعجباً من دولة ترفع شعار ممارسة الحرية الاقتصادية وتضع في ذات الوقت المعوقات أمام مساعي شركات إماراتية عالمية تسعى إلى الاستثمار بشكل إيجابي فيها. فالسياسة أخذ وعطا، ولا يمكن أن تكون كلها أو معظمها أخذ من دون عطا، فالإمارات أعطت الكثير لكندا، وساعدت على توفير الظروف لحماية مصالح كندا، وحياة الجنود الكنديين في أفغانستان، وفتحت مجالها الجوي لطيرانها العسكري، لكن المقابل الذي جنته الإمارات هو رفض أوتاوا لمطالب تجارية إماراتية بسيطة متعلقة بزيادة عدد رحلات طيرانها المدني لمدن كندية ! وللأسف أنه لم يكن هناك مسعى جدي من الحكومة الكندية لتذليل الصعاب حول هذا المطلب الإماراتي، بل عملت الحكومة على تشديد إجراءات التواصل بين البلدين، تضمن تعقيد عملية الحصول على تأشيرات دخول لموطني الدولة للأراضي الكندية، وعدم احترام المبادئ الدبلوماسية في التعامل مع البعثات الرسمية بين البلدين، وعدم اللباقة في تصريحات كبار مسئوليها.
إن من المؤسف حقاً أن مثل هذه الإجراءات لا تؤدي إلا إلى توتر العلاقات بين البلدين رغم إدراكنا أن دولة الإمارات دولة محبة للسلام وتعمل دائماً على تحقيق الخير للجميع. فتحقيق المصلحة والمنفعة المشتركة هو الأساس الذي تصبو إليه الإمارات في علاقتها مع دول العالم، فعلى أوتاوا أن تدرك هذه الحقيقة وأن لا تتعالى بفكرها فوق المبادئ العامة لعلاقات الدول التي من المفترض أن يلتزم بها الجميع مهما كان. لم تكن كندا في يوم من الأيام حليفاً إستراتيجياً لدولة الإمارات، حيث أن علاقتنا بها لم تصل إلى الحد الإستراتيجي، فكندا لا تمثل لنا شريكاً اقتصادياً محوريا، ولا حتى تشتري من نفطنا ما يذكر، وهي ليست حليفاً عسكرياً لنا، فعلاقتنا بها لا تتعدى كونها حليفاً لدول حليفة إستراتيجياً لنا، فأصبحت بذلك حليفاً لنا ولكن ليس إستراتيجيا، وعليه فإن عدم تطور علاقتنا معها في المرحلة المقبلة لن يؤثر بشكل كبير علينا. مع ذلك نأمل أن يتم تجاوز ما حدث وأن يكون للعقلاء في كندا دور في إعادة بناء الثقة بين البلدين، فعالم اليوم هو عالم الاعتماد المتبادل الذي تشكل من خلاله الدول منظومة متكاملة يكمل بعضها البعض.