في حديث مع أحد الأخوة العرب القاطنين في الإمارات منذ أمد طويل قال : أصدقك القول عندما أقول إنها ليست فقط لقمة العيش هي التي تدعوني للبقاء في الإمارات. نعم أحن إلى الرجوع النهائي إلى وطني .. ولكن سوف أفتقد الإمارات فهي بمثابة وطني الثاني. فبالإضافة إلى دفء أهلها وحسن تعاملهم سوف أفتقد النظام والشفافية في التعامل وقيما أخرى قد لا نجدها واضحة في المجتمعات الأخرى. سوف نفتقد النظام الحياتي المريح الموجود هنا، فقد سئمنا الوقوف في طوابير لدفع فواتير الكهرباء والتليفون تماما كما سئمنا طوابير الخبز والغذاء، وسئمنا فقدان الشفافية في التعامل مع البشر من حولنا وسئمنا تراكم الأزمات السياسية دون وجود بارقة أمل بضوء في آخر النفق . لقد وجدنا في الإمارات ما نحلم أن نراه في كافة البلدان العربية، بلدا نموذجيا في تطوره، راقيا في معاملته للأخر، طموحا في مشاريعه، وفخورا بعروبته، يحن له كل من يزوره مرة، ويفرح العربي للعيش في ربوعه وبين أهله. لقد فتحت الإمارات لنا أبوابها مشرعة، أتينا وحصلنا على معاملة كريمة من أخ لأخيه دون أي تفرقة في القوانين والتشريعات الأمر الذي جعلنا نشعر أننا على الدوام بين أهلنا وذوينا. لهذه الأسباب مجتمعة سوف تبقى الإمارات في وجداننا حتى لو غادرناها إلى بلداننا.

هذه واحدة من الشهادات العربية أو حتى الأجنبية الكثيرة التي نسمعها كل يوم والتي تثبت أن الإمارات ليست نفطا واقتصادا وتجارة فقط ، وإنما حضارة وتعامل إنساني راق وقيم راسخة في عمق الأرض ومتجذرة في نفوس أهلها وواضحة للعيان بالنسبة للأخر . فالإمارات أثبتت على مدى عقود من إنشائها أنها ليست محطة بترول تزود العالم بحاجته من النفط، أو تجارة نشطة تصدر للدول الأخرى حاجتها من البضائع المختلفة وبأقل الأثمان، أو ميناء هاما للتصدير والاستيراد في الشرق الأوسط ، أو حتى بلدا متطورا يزدان بالعمارات الشاهقة والشوارع الفسيحة والأسواق الغنية بمختلف البضائع. لقد أثبتت الإمارات على الدوام أنها أخلاق وتواضع وقيم جميلة تتربع على قلوب أهلها، أسلوب حياة مغاير عما تشهده البلدان الأخرى، وقوانين تسـٌير الحياة بطريقة سلسة تجعل القاطن فيها أو الزائر إليها يشعر بالأمن والآمان ويحن إلى تكرار زيارتها حينا بعد آخر.

هذه السمعة الطيبة للامارات ليست وليدة الصدفة وإنما وليدة عمل طويل جاد ، وتاريخ عميق في التعامل الإنساني والاقتصادي مع الأخر، ذلك هو الذي رسخ هذه السمعة الطيبة للامارات حتى قبل أن تصبح بلدا مصدرا للنفط . فالنفط موجود في دول كثيرة في العالم بل أن هناك دولا تمتلك أغنى الموارد الطبيعية في العالم ولكن هذه الثروة أصبحت نقمة على تلك البلاد وليست نعمة. فحسن استغلال الثروة في الإمارات وضمان حسن توزيعها واستفادة الإنسان منها خير استفادة هو ما جعل الثروة النفطية في الإمارات نعمة ليست فقط لأهلها بل لكل الساكنين فيها.

لم تغير هذه الثروة الكبيرة أخلاقيات الإنسان الإماراتي كثيرا، ولم تفقده صفة التواضع أو العمل الجاد والتفكير بمن حوله كما لم تفقده صفة التفكير المرن الذي حول هذه الثروة من ثروة ناضبة إلى ثروة مستمرة بل مولدة لثروات أخرى. فقد سخرت هذه الثروة أولا لتنمية الموارد البشرية فهي الثروة التي لا تنضب أبدا. كما استثمرت في العلم والتكنولوجيا وبناء القدرات التي درت ثروات أخرى عملت على توفير مئات من فرص العمل للكثيرين. وبالتالي فعلى الرغم من تذبذب أسعار النفط على مدى الأربعة عقود الماضية صعودا وهبوطا إلا أن أخلاقيات وتواضع المواطن الإماراتي ظلت كما هي لم تتغير، كما أن اقتصاد الإمارات ظل في صعود مستمر، يدل على ذلك تلك السمعة التي تحظى بها دولة الإمارات في كل المحافل الخارجية والسمعة الطيبة التي يحظى بها أهل الإمارات على الدوام .

ولكن هذه السمعة الطيبة للإمارات وأهلها لم تقيها من محاولات البعض النيل منها أو الإساءة إليها سرا وعلانية. فبينما أثار البعض علينا حملة من النقد في وسائل الإعلام المختلفة مختلقا قضايا مثيرة للجدل، أتى البعض الأخر إلينا بجرائمه المنظمة مستغلا التسهيلات الموجودة والانفتاح على الأخر والتسامح الذي عرفت به المنطقة. ولكن هذه المحاولات جميعها أثبتت أن الإمارات لها رصيد كبير من المحبين والمؤيدين في الداخل والخارج ما رد كيد هؤلاء إلى نحرهم وفند هذه المحاولات الكيدية.

لم تنجح الإمارات في بناء دولة وطنية وولاء شعبي متنام فحسب بل نجحت أيضا في بناء دولة قومية لها شعبية عربية عريضة بفضل حكمة مؤسسيها وسياساتها المعتدلة وقوانينها المرنة وتشريعاتها العادلة وحبها لفعل الخير، ولذا حظيت الإمارات على الدوام بسمعة طيبة على مختلف الصعد. هذه السمعة هي التي أهلتها لكي تأخذ دورها على الساحة الدولية كوسيط سياسي في الكثير من القضايا العربية والعالمية الشائكة، وتجعل رأيها مسموعا في الكثير من النقاط الخلافية. هذه السمعة هي رصيد الإمارات الإنساني الذي سوف يقيها من محاولات البعض النيل منها أو الإساءة إليها سرا أو جهارا. ان الإمارات ليست نفطا. فالنفط هو ثروة طبيعية سوف تنضب يوما ما ولكن ما سوف يتبقى هو رصيد الإمارات الحضاري والإنساني وهو الرصيد الأغلى والأهم.