دافع النهضويون العرب المسيحيون منذ أواسط القرن التاسع عشر عن حق العرب بالحرية واللامركزية وإحياء لغتهم وتراثهم تمهيداً لاستقلالهم عن السلطنة العثمانية، كما طالبوا بالدستور، وأدانوا الحكم العثماني المستبد، وتناولوا بكتاباتهم مفاهيم الوطن والوطنية والأمة وحرية التفكير، وانتقدوا الغزو الأوروبي للبلدان العربية، وناضلوا ضده، وتبنوا قول فرح أنطون (نحن هم المسيحيون الحقيقيون، ونحن لسنا مسؤولين عن أعمال المسيحية الغربية، إن ولاءنا هو للشرق)، وحرضوا أبناء الأمة العربية على الثورة والتحرر والوحدة.
كان أديب إسحاق من أهم أنصار النزعة القومية، وقد أمضى حياته القصيرة مناضلاً في سبيل الحرية ومدافعاً عن حقوق الشعب وعن الحياة الدستورية، وكان يخصص قسماً كبيراً من كتاباته للدعوة للحرية والمساواة والعدالة، ويتحدث فيها عن الوطن والوطنية والأمة وحرية التفكير، مما جعل هذه الكتابات تلعب دوراً كبيراً في حركة اليقظة العربية. كما كان يرى في الحرية حقاً طبيعياً من حقوق الإنسان، (إذ يتمتع المواطنون في الدولة الحرة بحرية الاجتماعات والتعبير والانتقال.. ويتساوى الجميع أمام القانون) حسب قوله. ودعا للملكية الدستورية، وكان معادياً للاستعمار وناضل ضده وفضحه بحدة، فكتب يقول (من كل الجهات تمتد أيدي الأجانب إلى الشرق. فالبعض يأتون إلى الشرق بدوافع الإنسانية كما يزعمون، والبعض الآخر بدعوى المدنية) وكان يعتبر استعباد الشعوب جريمة.. (أريد الدفاع عن الشرق.. وطريقي هو كشف مجريات الأمور العقلية.. وغايتي السمو بتفوق الدم العربي وإذكاء الحماس في قلوب العارفين، حتى يقف شعبي على الحقوق التي سلبت منه ويسترجعها ويستعيد ما هو له).
افتتح بطرس البستاني (المدرسة الوطنية) عام 1863 في بيروت على أساس قومي لا طائفي، وكان ذلك أمراً جديداً، فكانت أبوابها مفتوحة لكافة أبناء الوطن بغض النظر عن الانتماء العرقي والديني، ومن مهماتها إحياء اللغة القومية لأن أساس التطور التقدمي للإنسان هو لغته القومية حسبما كان يقول، وعلى الحكومات لتكون صالحة أن تركز على مراعاة مبدأ العدالة، وفصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، والسلطتين القضائية والتشريعية عن السلطة التنفيذية، وإدخال التعليم الإلزامي، وإقرار تكليف ضريبي سليم، وتنفيذ الأشغال العامة، وتوحيد السكان على أساس المشاعر الوطنية. واهتمت دائرة المعارف التي أصدرها بالمعارف العلمية والاقتصاد والتجارة، وباللغة العربية، وماضي العرب والشخصيات البارزة في التاريخ وفي الثقافة العربية والعالمية، وكانت أول دائرة معارف عربية (موسوعة). وقد عمل بطرس البستاني على نشر المعارف بين العرب، ودعاهم إلى التعليم، وتحدث عن أهمية الأدب العربي، ونوه فيما بعد بالدم العربي (أي الثقافة العربية) واستخدم تعبير أبناء العرب. ودعا في جريدة (النفير) التي كان يصدرها إلى التسامح وتعزيز الصداقة بين أبناء الوطن الواحد، بصرف النظر عن عقيدتهم وانتمائهم الطائفي (ألا تشربون كلكم من نفس الماء إلا تتنفسون كلكم نفس الهواء)، وكان يؤكد دائماً وجود كيان اسمه العرب، وثقافة ينتمي إليها هي الثقافة العربية، وهذه المفاهيم والمصطلحات لم تكن أهداف واضحة قبل ذلك التاريخ.
كان ناصيف اليازجي أبرز رجالات النهضة، ودافع عن نقاء اللغة العربية وألف عديدا من الكتب في النحو والبلاغة والعروض والمنطق، وأكد أن العرب المسيحيين يمكنهم القيام بمساهمة هامة في الثقافة العربية، وأعلن أن واجب كل عربي، بصرف النظر عن عقيدته، بناء صرح مستقبل شعبه على أساس تراث ثقافي مشترك، وكان إحياء اللغة العربية هو السبيل الأساس لإحياء القومية وتعمق ثقافتها، فقد كانت المدارس والمحاكم ودوائر الدولة تستخدم اللغة التركية فقط. وكان ابنه إبراهيم من المدرسة نفسها، فقد نوه في عدة مؤلفات بيقظة الوعي القومي عند العرب السوريين، ومجّد ماضي العرب، وتنبأ لهم بمستقبل مشرق، فمع أن (خسوف القمر حتمي فإن البدر يعقبه، وكذلك يعقب النهار الليل)، وطالما تحدث عن العظمة العربية، ولإبراهيم اليازجي قصيدة هامة حول النهضة العربية يقول في مطلعها:
تنبهوا واستفيقوا أيها العرب فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب
ثم يقول:
لنطلبن بحد السيف مأربنا ولن يخيب لنا في جنبه إرب
شارك اليازجيان في إنشاء مكتبات وجمعيات عديدة، وكان لهما دور كبير في الثقافة العربية والنهضة العربية.
أسس نجيب عازوري عام 1904 (عصبة الوطن العربي) وأصدر عام 1907 مجلة باسم (الاستقلال العربي) ونشر كتاباً بعنوان (يقظة الأمة العربية) وقال بوجود أمة عربية واحدة تضم مسلمين ومسيحيين، وإن المشاكل بين اتباع الديانتين هي نتيجة دسائس خارجية، فالمسيحيون لا يقلون عروبة عن المسلمين، ونادى بقيام كنيسة عربية صرفة تمارس العبادة باللغة العربية، ورأى أن حدود الأمة العربية تشمل جميع البلدان الناطقة بالضاد، وعلى الأمة العربية أن تستقل عن الأتراك لأنهم هم الذين سببوا خراب العرب، والعرب يتفوقون على الأتراك في كل شيء. وما من سبيل للخلاص سوى استقلال العرب، وأشير إلى أن هذه التسميات والمصطلحات المتعلقة بالعرب كانت جميعها مستحدثة وجديدة وغير مستعملة في ذلك الوقت، ولعل عازوري أول من اكتشف خطر الصهيونية وتنبأ فقال (تبرز في هذه الآونة في تركيا الآسيوية ظاهرتان متناقضتان على وحدة طبيعتهما، هما يقظة الأمة العربية، وسعي اليهود الخفي لإعادة ملك إسرائيل القديم على نطاق واسع، إنه مكتوب لهاتين الحركتين أن تتصارعا باستمرار حتى تتغلب الواحدة على الأخرى، وعلى نتيجة هذا الصراع الأخيرة.. يتوقف مصير العالم أجمع..) ورسم صورة الدولة العربية المستقلة فرأى أنها يجب أن تكون سلطنة دستورية ليبرالية يرأسها سلطان مسلم عربي، على أن يحترم استقلال لبنان ونجد واليمن. وبعد، من المهم أن نتذكر أن هذه هي بعض أفكار هؤلاء النهضويين المسيحيين في القرن التاسع عشر في خضم انطلاقة النهضة العربية، التي ساهموا بها مساهمة جدية مشاركين بشكل مباشر أو غير مباشر مع نهضويين مسلمين مثل الطهطاوي والتونسي والأفغاني ومحمد عبده وغيرهم.