كلما أوغلت في تعلم فلسفة جوليان أسانغ، زاد اعتقادي بأنه لا يتعمق حقاً في تدمير السرية، أو يجعل الشفافية هي الفضيلة الأساسية في العلاقات الاجتماعية. فهو باحث سياسي تقليدي، برغم كونه غريباً، إلى حد ما، عن «العدالة».
وبقدر ما أستطيع أن أفهمه من نظرية «أسانغ»، وأنا لا أعتقد بأنه متماسك بشكل كبير أو مدروس بعناية، فهو يعتبر أن هناك طريقة واحدة لتحقيق العدالة للحد من سلطة الحكومات في أن تقدم على الأمور التي لا يعرف عنها مواطنوها شيئاً، وربما لا يوافقون عليها إذا تمت. لا يوجد شيء في هذه النظرية يهدد بإنهاء السرية عبر الأطياف الاجتماعية كلها، فالمواطنون، على الأقل نظرياً، يحق لهم ممارسة أعمالهم الخاصة، أما الحكومة فهي المستهدف الرئيسي.
هنا يجب علينا ألا ننسى أن «أسانغ» قد صنع لنفسه اسماً في أوساط تقنية المعلومات من خلال كونه واحداً من المطورين الرئيسيين لتطبيق برنامج ساعد المستخدمين، وخاصة نشطاء حقوق الإنسان في الأنظمة الاستبدادية، لتشفير وحماية بياناتهم الخاصة بعيداً عن رقابة السلطات. لذلك فأنا لا أعتقد بأن «أسانغ» يعارض «السرية» بتاتاً، فالأمر بالنسبة له يتعلق حقاً بتحجيم الحكومات العالمية.
بصراحة، لا أعرف إلى أي مدى كانت لديه فرصة لاكتشاف نظرية تتعلق بالدور الذي تلعبه السرية في العلاقات الدبلوماسية الدولية. وحتى لو كان قد قرأ جميع المراسلات، كان سيحتاج إلى معرفة العالم على نحو أكثر ارتباطا من وكالة المخابرات المركزية الأميركية، لتقييم أثر إطلاق المراسلات بشكل فعلي. وعلى سبيل المثال، فمن الصعب جداً التنبؤ فيما إذا كانت مثل هذه الملفات سوف تؤدي إلى حرب في القوقاز، دون معرفة سياسة أرمينيا وأذربيجان.
لذلك، ففي الوقت الذي يمكننا الاستمرار في محاولة فهم حدود «العمومية» في الدبلوماسية، وأنا لست متأكداً من أن «أسانغ» سوف يختلف معنا في الرأي بخصوص أي شيء من هذا القبيل. فكل ما في الأمر أنه توجد لديه رؤية لتغيير العالم، ويعتقد بأنه إذا ما تم تطبيقها، فإن هذه الرؤية ربما تقلل كل الأضرار الحالية التي لحقت بالدبلوماسية.
إلا إذا كنا نحن، أو هو نفسه، يعلم نموذجه النظري بشأن مجتمع معلومات حر تماما، فقد كان من الممكن أن نرسم حدوداً حول ما هو مقبول أو غير مقبول.
أما بالنسبة للتداعيات الجيوسياسية جراء هذه التسريبات، فأعتقد بأن الأمر سوف يتعلق بمسألة جمع المعلومات الاستخبارية، خصوصا تعاون الاستخبارات، وليست الدبلوماسية في حد ذاتها التي يمكن أن تعاني أكثر من غيرها. والسبب في ظهور الدفعة الحالية من المراسلات في المقام الأول يرجع إلى التراخي الأمني، وفي ظل وجود مليون شخص ممن لديهم حق الوصول إلى هذه الملفات، فإنه من المدهش حقا أن الامر استغرق سنوات عديدة حتى يتمكن شخص مثل «برادلي مانينغ» من الكشف عنها لـ «أسانغ». ولكن كان يمكن أن يحدث هذا حتى قبل تأسيس موقع «ويكيليكس» منذ بضع سنوات، فربما أرسلت هذه المراسلات إلى صحيفتي «غارديان» البريطانية أو «إلباييس» الإسبانية مباشرة. لذلك، ففي جميع التوقعات، سنرى نهجا أكثر دقة لتحديد تصريحات من لهم حق الوصول إلى أي نوع من البيانات. وسوف يستمر السفراء في الإدلاء بتصريحات. بيد أن هذا ليس هو الجانب الأكثر إثارة للاهتمام من الناحية الجيوسياسية بالنسبة لقصة ويكيليكس. فما وجدته أكثر إثارة للاهتمام في الأيام العشرة منذ تم الكشف عن الملفات، كان الضغط الذي حاول بعض الساسة الأميركيين والأوروبيين ممارسته على شركات الوساطة في الإنترنت التي تقدم خدماتها لـ «ويكيليكس». وبعض هذه الجهود ظهر جدواها، حيث تخلى موقعا أمازون و«باي بال» عن تقديم خدماتهما لموقع «ويكيليكس». ويبدو هذا بالطبع أمراً مثيراً للشكوك لدى الكثير من عشاق الكمبيوتر، الذين تنتابهم فعلياً، في كثير من الأحيان، ريبة من الحكومات.
أعتقد بأن ما يمكن أن يحدث هو أن «ويكيليكس»، و«أسانغ» على وجه الخصوص، قد يبرزان باعتبارها زعماء لحركة «المهووسين» السياسيين الجدد بالكمبيوتر، التي من شأنها أن تكون مبنية على مبادئ مطلقة لـ «حرية الإنترنت»، والشفافية، وقانون حقوق الطبع والنشر المتساهل جداً. وقد نشأت هذه الحركة بالفعل على الصعيد العالمي، وخاصة في أوروبا، حيث أثبتت الخلايا المحلية المختلفة لحزب القراصنة أنها قوية بشكل ملحوظ. ومن الممكن تماما أن تؤدي «مطاردة ويكيليكس» إلى زيادة تطرف الشباب وجعلهم ينضمون إلى الكفاح من أجل «حرية الإنترنت».