الطريقة الوحيدة التي سنزيد بها الأجور، على المدى الطويل، وننمي الاقتصاد ونحسّن القدرة التنافسية لأميركا، هي استثمار قدرات الشعب الأميركي، خاصة في ما يتعلق بنظام التعليم لديه.

يبدو أننا في تراجع مستمر حتى الآن، ففي دراسة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مؤخراً، على أنظمة التعليم والتحصيل العلمي في ‬34 من الدول المتقدمة، جاء الطلبة الأميركيون في المرتبة ‬25 في الرياضيات، ‬17 في العلوم، و‬14 في القراءة. فالطالب الأميركي الذي يصل متوسط عمره إلى ‬15 عاماً، لا يمكنه أن يجيب على أسئلة اختبار بشكل صحيح، كنظيره في متوسط السن نفسه في شنغهاي. وأنا لست ممن يعتقدون أن السبيل الوحيد لإصلاح الخلل في نظام التعليم الأميركي، يتم من خلال زيادة الإنفاق عليه. إننا بحاجة أيضاً للقيام بذلك بشكل أفضل بكثير، فأداء المعلم يجب أن يتم طرحه بإنصاف للمناقشة. علينا أن نجرب القسائم الحكومية، التي ترتبط قيمتها عكسيا بدخل الأسرة. يتعين على الجامعات تهيئة موازناتها لتوفير وسائل الراحة للطلاب، والأنشطة والخدمات اللاصفية. ولكن بالنظر إلى الزيادات في عدد الأميركيين في سن الشباب، واحتياجاتهم التعليمية، والتحديات التي يطرحها الاقتصاد العالمي الجديد، فإن هناك حاجة بالتأكيد إلى مزيد من الموارد.

يصف الرئيس الأميركي باراك أوباما ذلك بـ«لحظة سبوتنيك»، في إشارة إلى دعوة الصحوة لأميركا، عقب إطلاق الاتحاد السوفيتي الناجح لمركباته الفضائية في عقد الخمسينيات من القرن الماضي، بصورة متقدمة عن الولايات المتحدة. وقد أدى ذلك إلى ظهور قانون التعليم الدفاعي القومي، الذي كان مسؤولاً عن تدريب جيل كامل من مدرسي الرياضيات والعلوم.

للأسف، فنحن نسير في الاتجاه المعاكس. فقانون الضرائب الذي وقعه الرئيس الأميركي في الساعات الأخيرة من دورة الكونغرس، كان بمثابة هدية كبيرة للأثرياء، إلا أنه من خلال المزيد من الاتساع في عجز الميزانية الفيدرالية، فإن ذلك يدعو إلى المزيد من التخفيضات في الميزانية الفيدرالية للتعليم العام. وتم تقليص منح «بيل» التعليمية، التي تتيح للشباب من الأسر الفقيرة الالتحاق بالجامعة.

والأمر الأقل وضوحاً، هو التخفيضات التي تقوم بها الولايات الأميركية في ميزانيات مدارسها، وهذا ليس مفاجئا، فالتعليم يشكل واحداً من أكبر مجالات الإنفاق في ميزانيات الولايات. ولكن لا يمكنها أن تعاني العجز الاقتصادي، ولا تحافظ على عائدات الضرائب خلال فترة الانكماش الاقتصادي الآخذة في الامتداد، لفترة طويلة على مستواها، كما أن واشنطن ليست في وضعية تسمح لها بالمساعدة. وقد تم إخضاع التخفيضات المحلية في التعليم العام للرقابة القومية، ولكنها تعتبر بشكل عام تهديداً خطيراً لمستقبل أميركا.

لقد قامت ‬33 ولاية بتقسيم ميزانيات التعليم للعام المقبل، ووضعتها على قائمة تخفيضات العام الماضي. فعلى سبيل المثال، ألغت ولاية أريزونا مرحلة الدراسة التمهيدية لـ‬4328 طفلاً، وخفضت تمويل الكتب والحواسيب واللوازم الأخرى للفصول الدراسية. كما خفضت كاليفورنيا المعونات المالية للمدارس المحلية بمليارات الدولارات، وخفضت مجموعة متنوعة من البرامج، بما في ذلك تعليم الكبار ومحو الأمية، ومساعدة الطلبة الذين يفتقرون بشدة إلى المهارات. وخفضت ولايتا كولورادو وجورجيا الإنفاق على مدارس القطاع العام بما يقرب من ‬5٪ في ‬2010، وخفضت «إيلينوي» و«ماساشوستس» بنسبة ‬3٪. أما التخفيضات التي أجرتها ولاية فيرجينيا بقيمة ‬700 مليون دولار للعام المقبل، فإنها تتضمن تمويل التخفيض على حجم الصف الدراسي في مرحلة رياض الأطفال حتى الصف الثالث، وعلقت واشنطن برنامجا لخفض أحجام الفصول. في الوقت نفسه، فإن هناك ما لا يقل عن ‬43 ولاية تقوم بتقليص التمويل للكليات والجامعات العامة، وتزيد الأقساط والرسوم الدراسية. وهذا يعني أن كثيرا من الشباب المؤهلين لن يكونوا قادرين على الالتحاق بالجامعات. فعلى سبيل المثال، زادت جامعة كاليفورنيا الرسوم الدراسية بنسبة ‬32٪، وخفضت من التحاق الطلبة الجدد بمقدار ‬2300 طالب، كما خفضت إدارة جامعة ولاية كاليفورنيا نسبة الالتحاق بمقدار أربعين ألف طالب. ووافق مجلس أوصياء ولاية أريزونا على زيادات داخلية في الرسوم الجامعية لمرحلة ما قبل التخرج، ما بين ‬9٪ و‬20٪، فضلاً عن الزيادات في رسوم الجامعات الثلاث العامة بالولاية. ورفعت الجامعات العامة في ولاية فلوريدا رسوم التعليم بـ‬32. وزادت إدارة التعليم في ولاية نيويورك الرسوم الدراسية الجامعية للمقيمين بنسبة ‬14٪. وخفضت تكساس تمويل التعليم العالي بنسبة ‬5٪، أو ‬73 مليون دولار. وخفضت واشنطن التمويل المحلي لجامعة واشنطن بنسبة ‬26٪. لماذا سمحنا لهذا أن يحدث؟ فشبابنا، بكل ما يمتلكونه من قدرات على التفكير والفهم والتحقق والابتكار، هم مستقبل أميركا، وتحت اسم الحصافة المالية، فإننا نخاطر بهذا المستقبل.

ربما الجواب يتمثل في أن أكبر الشركات الأميركية لا تهتم بتوظيف الأميركيين على وجه الخصوص، بل تركز للحصول على المواهب التي تحتاجها على امتداد العالم. والكثير منها الآن تجري عمليات البحث والتطوير في أوروبا والصين، على سبيل المثال. ولا يبدو أن العائلات الغنية والطبقة المتوسطة العليا في أميركا يساورها قلق أيضاً، فلديها ما يكفي من المال لإرسال أطفالها إلى المدارس الخاصة الجيدة، ودفع الرسوم الدراسية المرتفعة في الجامعات الخاصة. وأنا لا أشير إلى أن الهجوم الخفي على التعليم الأميركي أمر متعمد، فهذا يحدث بسبب التشديد في الميزانيات العامة. ولكن عندما تكاثرت الشركات الكبرى وفرضت التخفيضات الضريبية على الأثرياء، وعلى التعليم العام بشكل خاص، كانت النتيجة الحتمية هي أن معظم أطفال أميركا معرضون للخطر.