حظيت عودة السيد مقتدى الصدر إلى مدينته النجف، بعد ثلاث سنوات ونصف قضاها في منفاه الاختياري في مدينة قم الإيرانية، باهتمام كبير في الأوساط السياسية داخل العراق وخارجه، وذلك لدوره الهام والحاسم في العملية السياسية التي تجري في العراق، منذ بدايتها وحتى الآن. فالصدر أكثر القادة السياسيين العراقيين شعبية في أوساط الطبقات الفقيرة الشيعية، ومن هذا المنطلق فهو زعيم أكبر كتلة في المجلس النيابي الجديد، حيث لديه كتلة موحدة من أربعين نائباً.
يضفي البعض على الصدر لقب «صانع الملوك»، وذلك للدور الكبير الذي لعبه في تقرير من يشغل منصب رئاسة الوزارة العراقية في ثلاث مناسبات متتالية، كانت أولاها صعود الدكتور إبراهيم الجعفري عام 2005، ثم صعود نوري المالكي عام 2006 أولاً وعام 2010 أخيراً، حيث أنهى انحيازه لصالح المالكي تردد التحالف الكردستاني بين الاصطفاف مع «دولة القانون» أو مع الكتلة العراقية.
ولكن الصدر رغم ذلك، لم يتمكن من تحقيق طموحاته في الفترة السابقة، بل حصد عكس ذلك، لسببين رئيسيين: أولهما وقوفه ضد التيار السائد المهادن للولايات المتحدة داخل العملية السياسية، ووقوف كتلته في مجلس النواب ضد الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق، وثانيهما تصاعد نفوذ ميليشيا جيش المهدي التابع له، وارتكابها الكثير من أعمال العنف التي تتطلب الملاحقة القانونية، مما دفع الحكومة في عام 2008 إلى الاصطدام معها في عملية صولة الفرسان في البصرة، ثم في معقله، مدينة الصدر، في بغداد، حيث تمخضت تلك الصدامات عن هزيمة أنصاره ومقتل المئات وأسر الآلاف منهم. بعد هذه الأحداث الدامية اختار الصدر المنفى، تعبيراً عن استيائه من سياسة المالكي من جهة، وضماناً لأمنه الشخصي من جهة أخرى.
عودة الصدر إلى العراق تعتبر دعماً للمالكي، ولكن هذا الدعم ينبغي أن يؤخذ بحذر. ففي أول خطاب ألقاه الصدر أمام حشد كبير من أنصاره في النجف بعد العودة، أكد أن «الهدف الأول للشعب العراقي هو خروج المحتل، إلا أن ذلك لا يعني أن يكون على الجميع حمل السلاح، بل أن للمقاومة أشكالاً مختلفة منها الثقافية». كما أكد الصدر في تنبيه ذي مغزى، أن دعمه لحكومة المالكي مشروط بمدى نجاحها في تقديم خدماتها للشعب. الطور الجديد للتيار الصدري في العملية السياسية، مختلف عن الطور السابق. فقد قرر زعيمه الانتقال من العمل المليشياوي إلى العمل السياسي، مع الاحتفاظ برفضه القوي للوجود الأمريكي في العراق، والدعوة لمقاومته على مختلف الصعد.
لا شك أن تحولاً مهماً قد طرأ على طريقة تفكير الصدريين، بعد التجربة المريرة التي مروا بها في المرحلة السابقة، فهم الآن غير ما كانوا عليه عام 2003. فتصريح الصدر الذي أشرنا إليه، يعكس تغيراً في استراتيجيته، فقد تحول الخطاب الملتهب الذي اعتاده، إلى خطاب سياسي هادئ يسمح له بمزيد من الحضور في دوائر صنع القرار. والحقيقة أن هذا التغير في استراتيجية الصدر، لا تعكسه التصريحات التي يدلي بها فحسب، بل تعززه كذلك مجموعة من الإجراءات والقرارات التي اتخذها مؤخراً، منها اتهامه بعض المنشقين عنه بأنهم وراء عمليات الخطف والقتل في حق العراقيين، داعياً إياهم للعودة إلى ما وصفه ب«الطريق الصحيح»، والتوجيه الذي أصدره بتحويل جيش المهدي إلى مؤسسة ثقافية تهتم بالعقائد ونشر الأفكار التي يؤمن بها التيار! ثم قراره الذي اتخذه مؤخراً بطرد 100 شخص من لواء اليوم الموعود، لمشاركتهم في استعراض عسكري في مدينة الصدر، بمناسبة ذكرى عاشوراء في شهر ديسمبر المنصرم. إلا أن الحكم على مدى نجاحه في نهجه الجديد يتوقف على عوامل عديدة، أبرزها الجدية في إجراء مراجعة موضوعية شاملة لأداء التيار الذي يقوده، والتوقف عند المفاصل التي أثرت سلباً أو إيجاباً في حياة الناس، ومدى الآثار التي تركتها مقاربات التيار، فكراً وممارسة، للأحداث منذ تأسيسه، وتتطلب كذلك شجاعة في الإشارة إلى مكامن الخلل ومواقع الخطأ.
الصدر في أمس الحاجة إلى أن يجعل من التيار الذي يقوده منظمة سياسية، لها نظامها الداخلي وتمتلك أدوات منهج ورؤية للعلاقات الداخلية والخارجية ضمن التيار وخارجه، كما أنه بحاجة إلى مستشارين تتناسب أفكارهم مع هذا النهج الجديد. التحقق من ذلك يتطلب في الحقيقة قدراً ليس قليلاً من الوقت، ورصداً مستمراً لما يصدر عن التيار الصدري من تصريحات وما يتخذ من مواقف.
والحقيقة أن الموقف الإيجابي الذي أبداه الصدر في العودة للعملية السياسية، قد كسب من خلاله مواقع مهمة في الدولة، فقد شغل أحد منتسبي التيار منصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب، وحصل آخر على منصب نائب رئيس الوزراء، وحصل التيار كذلك على سبع حقائب وزارية. كما أن عودته ستساعد على حل عدد كبير من المشاكل العالقة بين أنصاره وبين السلطات الأمنية العراقية على مستويات مختلفة، فهناك الآلاف من أنصاره بين سجين ومعتقل ومحكوم بالإعدام.
لقد عاد الصدر لقطف ثمار انتصاره في الانتخابات التي وظفها في دعم المالكي، فوجوده بالقرب من كتلته الانتخابية وبين جمهوره الواسع، يوفر ضمانات أكثر لتحقيق ذلك.
الصدر يعبر عن تيار يتميز بالتحدي للتقاليد التي حرصت المرجعيات الدينية الشيعية في النجف على إدامتها، وهي النأي بنفسها عن الدخول بشكل مباشر في أتون السياسة. وهو ما يعتبره الصدر فراغاً في جسد المؤسسة الشيعية ينبغي ملؤه، وهو توجه نحو تسييس الدين، فالصدر يطرح نفسه رجل دين ورجل سياسة في آن واحد. المالكي يواجه ضغوطا من شركائه حول قضايا متعددة، تتعلق بالقرارات المزمع اتخاذها في ما يتعلق بالأمن القومي الذي قد يدفع الوضع السياسي إلى حالات الاستقطاب، والصدريون واضحون في موقفهم، وهو الخروج من الائتلاف معه في حالة سماحه ببقاء القوات الأميركية في العراق، بعد انتهاء الموعد المحدد لانسحابها نهاية العام الحالي.
هناك من ينظر بقلق لعودة الصدر، فالولايات المتحدة لا تنظر لذلك بعين الرضى، خاصة وأنه قاد عمليات عنف ضد وجودها العسكري في السابق، كما أن بعض دول الجوار لها تحفظات على عودته بسبب علاقة الوثيقة مع إيران. فهل ستكون هذه العودة عامل استقرار للعملية السياسية أم غير ذلك؟
سيكون للصدر موقع هام في وسائل الإعلام، ولن يكون اسمه أقل تردداً من الأسماء الكبيرة الأخرى في الساحة السياسية العراقية، مثل الطالباني والبرزاني والمالكي وعلاوي والنجيفي والجعفري، فإنه أحد قلائل يمسكون بخيوط المسرح السياسي العراقي.