كتب «أوزبك» من باريس في رسالته السابعة والثلاثين في العام 1713 يقول: «لقد طعن ملك فرنسا في السن، ولم يحدث في تاريخنا أن ملكاً حكم مثل مدته في طولها»! أما أوزبك فشخصية تخيلها المفكر الفرنسي تشارلز مونتسكيو (1689-1755) في كتابه النقدي الخالد «رسائل فارسية»، الذي هو عبارة عن نقد للمجتمع الفرنسي في أخلاقه وسلوكه ونظامه السياسي والاقتصادي والتعليمي، صوبه مونتسكيو على لسان «أوزبك»، ذلك الفارسي العامل في بلاط الشاه عباس ومرافق له سماه «ريكا»، واللذان قاما بجولة في أرجاء أوروبا، وخاصة فرنسا، طلباً للمعرفة ولحياة هادئة بعيدة عن «مؤامرات القصور». وقد بعث هذان الفارسيان بملاحظاتهما عما رأياه، والتي هي عبارة عن نقد يشبه ما قام به صاحب «كليلة ودمنة»، حينما استنطق الطير والحيوان ليسلط الضوء على سلبيات واقعه. أما الملك الذي يشير إليه مونتسكيو على لسان «أوزبك»، فهو لويس الرابع عشر (1638 ؟ 1715) الذي حكم وهو في الخامسة من عمره، لكنه حكم فعلياً في ريعان شبابه (1661م)، ليمتد حكمه زهاء 72 عاماً! ونظام حكم لويس الرابع عشر الذي كان موضع نقد مونتسكيو، فيقول عنه «أوزبك» أنه «لا يستهويه من أنظمة الحكم في العالم إلا حكم الأتراك أو سياسة شاه إيران المعظم، فكثيراً ما ينتهج في الحكم نهجاً شرقياً». ويعيب مونتسكيو بسخرية على لويس الرابع عشر، عدم عدالته في توزيع المكافآت والمناصب، فيكتب «أوزبك»: «وهو يحب أن يكافئ من يخدمه، لكنه يبذل بسخاء لمن يسامرونه من بطانة رجال بلاطه، أكثر مما يبذل لقواده نظير حملاتهم الموفقة. وكذلك نراه يهب رجلاً فر من واجبه فرسخين معاشاً ضئيلاً، وينعم على آخر ـ قد هرب أربعة فراسخ ـ منصباً حكومياً رفيعاً»!
وحينما يرحل لويس الرابع عشر ويأتي ابنه إلى الحكم، لا يترك مونتسكيو المناسبة تفوته دون توجيه سهام النقد إلى الملك الراحل وعدم القدرة على ما يخبئه القدر للعهد الجديد، حيث كما يكتب «ريكا» إلى صاحبه: «لا يمكن الحكم على مسلك ملوك الغرب إلا بعد اجتياز اختبارين عظيمين: النساء ورجال الدين، فكلا الطرفين يعمل على أن يستولى على نفس الملك». ثم يضيف ريكاً مخبراً صديقه في الرسالة السابعة بعد المائة: «وحين وصلت إلى فرنسا وجدت الملك الراحل محكوماً بالنساء حكماً مطلقاً، مع أنه كان في سن تجعله أقل ملوك الأرض حاجة إليهن في ما أعتقد»!
ولا يحسب القارئ الكريم أن إشارة مونتسكيو إلي سيطرة النساء على الملك كمؤشر لفساد حكمه، هي نتيجة وقوفه ضد النساء، بل قد يصدم المرء أن مونتسكيو كان من أوائل الذين رأوا عدم وجود فوارق جوهرية بين الجنسين، بل الفارق يكمن في طريقة التربية، أما سلطان الرجل على المرأة فيعتبره «طغياناً». نعود إلى رؤيته السياسية، فنقول إن مونتسكيو كان معجباً بنظام الملكية الدستورية الإنجليزي، رغم أن آراءه (وغيره من مفكري عصر التنوير) أفضت إلى تأسيس لجمهوريتين؛ الأولى هي «جمهورية الولايات المتحدة الأميركية»، والثانية «الجمهورية الفرنسية».
يقول أوزبك وهو يكتب مادحاً الرابطة القائمة بين الشعب الإنجليزي وحكامه، في رسالته الرابعة بعد المائة، أن هؤلاء يعتقدون أنه «توجد رابطة واحدة يمكن أن تربط بين الناس، تلك هي رابطة العرفان بالجميل. فالزوج والزوجة والأب والولد، لا يؤلف بينهم إلا المحبة المتبادلة والمعروف المتبادل. وهذه البواعث المختلفة بالعرفان بالجميل، هي الأساس الذي تقوم عليه جميع الممالك وجميع المجتمعات».
ثم يؤسس لمشروعية الثورة إن هتكت تلك العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فيضيف مونتسكيو على لسان الفارسي الجائل في الديار الفرنسية أوزبك، قائلاً: «فإذا حاد الملك عن إسعاد رعاياه في حياتهم، ورغب في أن يرهقهم ويبيدهم، فإن معين الطاعة ينضب، فلا شيء يربطه بهم ولا شيء يربطهم به، ويعودون إلى حريتهم الطبيعية. ويعتمدون في ذلك على أن كل سلطة لا حد لها، ليست سلطة شرعية. ويقولون (يقصد الشعب الإنجليزي) إننا لا يمكن أن نعطي غيرنا سلطة علينا أكبر من السلطة التي لنا على أنفسنا، ونحن لا نملك سلطة غير محدودة على أنفسنا، فنحن مثلاً لا نملك انتزاع أرواحنا: فليس إذن لأحد على وجه الأرض مثل هذه السلطة»!
كان مونتسكيو من دعاة الحرية، ومن الذين نادوا بمبدأ فصل السلطات، ووقف ضد الاستعمار الذي بدأ بالتمدد في القارات الثلاث؛ آسيا وإفريقيا فضلاً عن الأمريكتين، وكتب بلغة ساخرة متهكماً على حركة التبشير الناشطة في زمانه، حيث «يبيض الأوروبيون وجوه الإفريقيين خدمة للإنسانية»! كما حظي رجال الدين بنقد لاذع من قلمه على يد الفارسيين الجائلين في ربوع أوروبا، وأعجب ما كان يراه من شأن هؤلاء، هو تقاتلهم مع بعضهم البعض، رغم دعوات جميع الأديان وتعاليمها التي تركز على التسامح والتعايش بين البشر.