يدخل الحوار في الكلام الإلهي دخولاً بيِّناً، حتى أن كثيرين من قراء الوحي ذهبوا في التفسير والتأويل إلى أن القرآن الكريم هو، من وجه معين، كتاب حواري بامتياز. ويتأتى مفهوم الحوار القرآني من التقرير الإلهي باختلاف الخلق، ذلك أن الاختلاف والتنوع والتعدد، تفترضه الكثرة الخَلْقية التي هي سنّة حكم الله في الخلق. ولقد قرر القرآن الكريم أن اختلاف الناس في عقائدهم ومللهم وآرائهم، مسألة سُنَنية لن تتبدل ولن تتغيَّر، وأن هذا الاختلاف لن يُرفع إلى يوم القيامة بعد زوال العالم الدنيوي. وهذا ما يبيِّنهُ قوله تعالى: {ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربُّك ولذلك خلقهم} (هود: 118-119).. {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا، إن الله يفصل بينهم يوم القيامة، إن الله على كل شيء شهيد} (سورة الحج: 17).
على هذا التأسيس القرآني للاختلاف، شرَّع الإسلام وجود وبقاء الأديان الوحيانية السابقة عليه. وحين دخلت الشريعة المحمدية في قلب الزمان والمكان، لم تعمل على نفي الأديان أو التعامل معها بالقوة والإكراه والجبر، وذلك على قاعدة التمييز بين الرشد والغي، وضرورة اختيار المعتقد أو اتباع الملة.
وينظر أئمة المسلمين وعلماؤهم إلى تجليات الكثرة في الوحي الإلهي، على أنها سنة خلقية كما أشرنا. وهم ينطلقون من حقيقة أن الهداية الإلهية، هي المصدر الأول في التدبير البشري. فالهداية الإلهية على ما تبيَّن مرجعيات التفسير الإسلامية، تستوي على ضربين: تكوينية، وتشريعية. أما الهداية التكوينية فهي التي تشمل الوجود،
ثم تمتد لتستوعب الموجودات برمتها والكائنات الحية كافة، وبالتالي جميع البشر. وهذه الهداية ترتبط بالأمور غير الاختبارية، بمعنى أنها لا تندرج في نطاق «إرادة الموجودات»، على سبيل المثال: فإن النمو الطبيعي للموجودات يعد من سلالة الهداية التكوينية.
أما الهداية التشريعية، فهي هداية يهبها الله إلى البشر من طريق الأنبياء والرسل، وهي تتجلى بمعنى «تنوير الطريق» إلى التوحيد، وتشمل البشرية كلها. وفي هذا الضرب من الهداية يكون للإرادة الإنسانية والاختيار البشري، دور فاعل ومقرَّر. فإذا ما أراد الإنسان أن يصل من الهداية التي معناها «تنوير الطريق»، إلى الهداية التي معناها الإيصال إلى المطلوب؛ فينبغي له العمل بجميع الأوامر الإلهية باختياره وبملء إرادته. وبشرح مقتضب نقول: إن الله تعالى يهبُ المؤمنين الذين يتوفرون على الهداية التشريعية، ضرباً من الهداية التكوينية التي تعني «الإيصال إلى المطلوب»، ولا سيما في مراحل السير والسلوك إلى الحق الأعلى. فالهداية التشريعية إذاً، تعني أن الله سبحانه يضع بين أيدي الناس القانون الذي يوفر لهم السعادة، ويبني وعيهم من خلال الأمر بالفضيلة والنهي عن سيئات الأعمال، وذلك لكي ينتخبوا الطريق باختيارهم، من أجل أن يبلغوا الغاية التي يشاؤون بكل حريتهم.
الأديان الوحيانية تشتمل على هذين الصنفين من الهداية الإلهية، وإن كان ثمة اختلاف في الرؤية التأويلية والتفسيرية، لدى كل من علماء المسلمين واللاهوتيين المسيحيين واليهود. غير أن الاشتراك والاختلاف يظل المبدأ الحاكم في الفهم القرآني، إذ المشترك التكويني ثابت على قاعدة توحيد، بينما الاختلاف هو أمر حاصل في مجالات التشريع. ولهذا شدَّد القرآن الكريم على ضبط قضية الحوار والمناظرة والجدل في إطار التراحم. فالجدل بمعنى الكلام التبادلي بين الإسلام وأهل الكتاب، ينبغي أن يرتكز على المعرفة، ويقوم على أساس العلم. فلا يُصار إلى الجدال أو التوجه نحو المناظرة، إلا بعد تحقُّق البيِّنة، وقيام العلم، وكشف الحق.
تأسيساً على هذه الرؤية الإلهية للحوار والجدل، وهي رؤية رحمانية، قدَّم القرآن الكريم المسيحية النصرانية بوصفها ديناً سماوياً خالصاً، راوياً سيرة المسيح(ع) ورسالته. مكرِّماً إياه وأمه مريم(ع) أشرف تكريم. فمريم بتول طاهرة اصطفاها الله تعالى على نساء العالمين، وكانت مهبط البشارة بالمسيح الذي كانت ولادته معجزة إلهية. وعيسى المسيح في القرآن، هو نبي رسول وكلمة الله وروح منه، وهو صاحب المعجزات الكبرى التي وهبها الله اليه: يكلم الناس في المهد ويحيي الموتى بإذنه.. في حين وصفه بـ«الهدى والنور» والمصدِّق للتوراة، والموعظة الحسنة للمؤمنين. ومدح حوارييه بالإيمان والرأفة والرحمة والسماحة والطاعة لنبي الله.. كذلك امتدح القرآن مؤمني أهل الكتاب في أكثر من موضع، مشيراً إلى مكانتهم وعدالتهم وإيمانهم وخشيتهم لله تعالى وتواضعهم له.
وهكذا فإن صورة المسيحية التي عرضها الوحي الإلهي في القرآن الكريم، هي المسيحية النصرانية التي لم تكن مادة للحوار والجدل السلبي. ذلك أن الإيمان بها هو جزء من إيمان المسلم، لأنه مصِّدق لها، ومن ثم فهو يحتويها على أساس الرحمانية الإلهية، حيث أُمِر بضرورة الإيمان بها كجزء من الاعتقاد برسل الله. كذلك كان الأمر على تمامه بالنسبة لأنبياء بني إسرائيل.
أما في الجدل والحوار فقد ميَّز القرآن الكريم بين الصورة الأولى الأصلية، وصورة المسيحية التاريخية، حيث دار الجدل حول جملة من القضايا الاعتقادية؛ كقضية التأليه، والصلب، والروح القدس، وقضية اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله.. الخ.
لكن في مقابل الجدل، أسس القرآن الكريم قواعد للحوار الرحماني ضمن الدائرة التاريخية، يمكن جمعها في قاعدتين:
الأولى: الإيمان بالله الواحد الأحد.
الثانية: الدعوة إلى الحوار من أجل بناء مجتمع إيماني أخلاقي يخلو من الظلم والفساد، وهو ما أشارت إليه الآية الكريمة: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (سورة آل عمران- آيه 64).
ولرسول الله (ص) توجيهات ومواقف تدخل في أصل الوحي الإلهي وتطبيقاته التاريخية، نذكر منها لقاءه مع وفد نجران الذين جادلوه في غير مسألة ولم يؤمنوا.. ومع ذلك فقد نزلت الآيات في هذا الجدال، وعندها كانت خاتمة اللقاء، أن كتب لهم رسول الله(ص) عهداً وأماناً على أنفسهم وأرضهم وأموالهم ودينهم، وأشهد على ذلك العهد شهوداً، وكذلك رسائله إلى أكثر من ملك من ملوك النصارى، حيث انتهى الأمر معهم إلى كتابة عهد بينه وبينهم، كما هو مبيَّن في الروايات التاريخية.
يبقى أن نقول إن الرؤية القرآنية إلى الله والعالم، هي تظهير لعلم الله بالخلق عبر الكلام الإلهي. ولذلك فإن فهم النص المقدس، سواء في القراءة التفسيرية أو في القراءة التأويلية، إنما يتأسس على قواعد العقل والمنطق والبرهان والإيمان. وكل هذه التأسيسات هي من أجل المخلوق البشري، الذي كرَّمه الله تعالى وجعله خليفة له في الأرض.