في مطلع العام الجديد، يحدوني الأمل أن يأتي الغد لأمتنا بما هو أفضل. لكنني لا أخفي عن القارئ الكريم، أنني لم أستطع أن أمنع عن نفسي الإحساس بالألم والمرارة، لما تمر به أمتنا على اتساعها. فأنت إذا نظرت على امتداد عالمنا العربي، ستجد نفسك محاطا بالمحن. فالصومال يبدو من سيئ لأسوأ، والعراق يكتوى بنيران الاحتلال والفتنة، ولبنان على فوهة البركان، واليمن يتجرع الألم، والجزائر وتونس من انفجار لآخر، والسودان الواحد صار في حكم الماضي، بينما البلد في طريقه لأن يصبح دولتين على الأقل. أما وطني مصر، فهي عليلة تفيض احتقانا وحزنا في آن معا.
والحقيقة أنني كمصرية اعتصرني الألم لما جرى في الإسكندرية في مطلع العام، حين فجر مجرمون كنيسة القديسين فراح ضحية الحادث 21 شهيدا، فضلا عن ثمانين مصابا. ولا يوجد عنوان لما حدث، سوى أنه جريمة بشعة. فترويع الآمنين، خصوصا وهم يتعبدون، أمر يتصف بالخسة ولا يقبله أي إنسان سوي، أيا كان دينه. وقد شعرت وقتها أن الرد الوحيد على مثل تلك المذبحة التي استهدفت إخوتي في الوطن من المسيحيين، هي أن نحمي، نحن المسلمين، الكنائس والأديرة بأجسادنا.
والقضية هنا ليست مجرد أن يعيش المصريون معا أو يموتوا معا، وإنما هي تذهب من وجهة نظري إلى ما هو أبعد من ذلك، فالأغلبية في أي بلد عليها مسؤولية تفوق مسؤولية غيرها، فهي القادرة بدرجة أكبر على الاحتواء والحماية. لذلك حين انطلقت بعد مذبحة الإسكندرية الغادرة، مظاهرات غاضبة للشباب المسيحيين في عدد من المدن المصرية، كنت أدعو إلى تفهم ذلك الغضب واحترامه، فهو غضب مشروع لم يستولِ فقط على نفوس المسيحيين، وإنما عم كل البيوت المصرية.
غير أن مصر لا تعيش في فراغ، فهي تحيا وسط عالم تتلاطم فيه المصالح وتتضارب. لذلك لم يكن مستغربا أن تخرج تصريحات من بابا الفاتيكان، تدعو لحماية المسيحيين في مصر، أو تنتشر الإشاعات حول نية الاتحاد الأوروبي لفتح حق اللجوء السياسي للمسيحيين المصريين، بل وغيرهم من مسيحيي العالم العربي.
والحقيقة أن مثل تلك الدعوات تصب الزيت على النار المشتعلة، ولا تحل المشكلة. فلو أن الحماية الأجنبية هي الحل، لكان المسيحيون في العراق في أسعد حال مع وجود الاحتلال الأميركي. وكم كنت أتمنى أن ينأى رمز ديني كبابا الفاتيكان بنفسه عن مثل تلك الدعوات، فهو دعا للحماية دون أن يحدد بالضبط كيف تكون تلك الحماية، ولا من بالضبط الذي يقصده ليتولي القيام بتلك الحماية. فلو أنه دعا المسلمين في مصر مثلا لحماية إخوتهم المسيحيين فيها، لكنت معه بكل قوة. ولكنه أطلق دعوته في الفضاء الدولي، وهنا مكمن الخطورة. فالسياسة الدولية كما يعرف القاصي والداني، لا تعرف العواطف، فهي تقوم على المصالح، ولا شيء غيرها. ومن ثم فإن مثل تلك الدعوة «للحماية»، من شأنها أن تستخدم ولو كذريعة للتدخل المدمر، بل ولاحتلال الدول الأخرى. ولا أظن أن الفاتيكان يرغب في أن يتحمل مسؤولية الحماقات السياسية، وتبعات تدخل دولي يأتي على الأخضر واليابس باسم الدين. والتاريخ يحفل بالحروب التي قامت تحت شعارات دينية، والدين منها براء، وراح ضحيتها ملايين الأبرياء.
أما الإشاعات التي ترددت في مصر عن منح اللجوء السياسي للمسيحيين، فهي أيضا بالغة الخطورة ولا تساعد في حل المشكلة. فالاتحاد الأوروبي أو غيره، حتى لو فتح فعلا حق اللجوء السياسي، فهو سيكون بالضرورة انتقائيا، حيث سيختار أصحاب الكفاءات والمهارات، بينما لن يحقق «الخلاص المزعوم» للبسطاء من المسيحيين، الذين لن يسمح لهم على الأرجح باللجوء. بعبارة أخرى، فإن خطورة مثل تلك الدعوات الخارجية، هي أنها تصب الزيت على النار المشتعلة، لأنها تؤجج المشاعر وتخلق في مخيلة البسطاء حلولا وهمية، تصرفهم بعيدا عن الحل الوحيد الفعال، وهو ذلك الذي يتم على الأرضية الوطنية.
لكنك عزيزي القارئ إن شئت الدقة، فسأقول لك إن علينا أن نواجه الحقيقة، ونقول بوضوح إن مشكلاتنا الداخلية حين نتقاعس عن حلها، فإنها هي التي تفتح الباب للتدخل الأجنبي بشتى أنواعه. وهنا يكمن وجه الشبه الحقيقي بين المشكلات المختلفة في عالمنا العربي. فرغم اختلاف الأزمة وطبيعتها من بلد عربي لآخر، فإنك تجد أن المشكلة متى برزت على السطح ولم يتم علاجها على الأرضية الوطنية، فإنها تكون المفتاح الرئيسي للتدخل الأجنبي. فالتدخل الأجنبي لا يحدث فقط لأن هناك قوى خارجية تتربص بنا وتسعى للتدخل في بلادنا، إذ لا بد أن يصاحب ذلك سياق اجتماعي وسياسي يهيئ الظروف لمثل ذلك التدخل.
وعلى ذلك، فإن كان هناك من أمر واحد ينبغي أن يتبناه مثقفونا على امتداد العالم العربي في العام الجديد، فلعله الدعوة للتعامل بأعلى درجة من الجدية مع المشكلات الداخلية التي تعاني منها أوطاننا، والإصرار على الإسراع في إيجاد صيغ عادلة ومناسبة لعلاجها على الأرضية الوطنية. فتلك الدعوة التي قد تبدو بسيطة للغاية، وقد تتعلق بمشكلات داخلية بحتة من علاج الفقر والبطالة، لمواجهة الظلم الاجتماعي والديني والطبقي، هي في تقديري المفتاح الأول لحماية أوطاننا من التدخلات الأجنبية.