من معارك الصين المبكرة مع محرك البحث «غوغل»، وصولا إلى معركة تونس مؤخرا ضد موقع «فيسبوك - facebook» على خلفية الاحتجاجات التي تشهدها، يتبلور دور متنام لإعلام بديل، يؤكد من جديد حدود التأثير التي تمارسها شبكة الانترنت وتقنيات الاتصال، في إعادة تشكيل عالمنا المعاصر على نحو جديد. الرسالة الأهم التي أطلقتها معركة الصين مع محرك البحث الشهير، هي أن شبكة الانترنت باتت تلعب دورا مؤثراً ومتزايد الأهمية، في تشكيل السياسات المحلية والعالمية. تأثير تعبر عنه الصين بتأكيدها في ‬23 مارس الماضي، أن «الخلاف بينها وبين شركة محرك البحث غوغل لن يضر بعلاقتها بواشنطن» (بي بي سي ــ ‬23 مارس ‬2010).

ولعل هذا التأثير المتنامي لم يكن في حسبان أولئك الذين اتخذوا المبادرة بإطلاق الشبكة، منتصف تسعينات القرن الماضي. فالمسافة الفاصلة بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي، باتت تضيق يوما بعد آخر. هنا يبدو أولئك الذين أطلقوا شبكة الانترنت، مثل السحرة الذين أطلقوا تعاويذهم وفقدوا السيطرة عليها.

معركة الصين المبكرة ضد غوغل، كانت علامة أولى لصراع من نوع جديد في عالمنا. بل إن هذا الصراع أخذ يشكل على نحو متزايد، الصراع السياسي في القرن الحادي والعشرين. لا يتعلق الأمر بالهستيريا التي تبديها الحكومات أحيانا من فكرة الانترنت نفسها، باعتبار أنها «فضاء عالمي مفتوح»، بل من الآفاق وإمكانيات التأثير التي توفرها يوما بعد آخر.

إن الشبكة لا توفر فرصا للتواصل السريع والفعال بين الناس، والتعارف وإنجاز الأعمال والتجارة والتعبير عما يجول في النفس لحظة بلحظة فحسب، بل إن تأثيرها المتزايد (الذي لم يكن قابلا للتنبؤ قبل سنوات) جعلها تسهم في تشكيل عالم اليوم بمسار يقطع الأنفاس، هادمة الكثير من أسس عالم قديم يبدو وكأنه استنفد نفسه؛ من الحكومات إلى الأحزاب والمنظمات والشركات، إلى جماعات الضغط وأصحاب القضايا (حتى أكثرها محلية وهامشية أحيانا) والأفراد. ما من وسيلة فعالة اليوم في كل الميادين، أكثر من الانترنت. فكل هؤلاء باتوا يستخدمون الشبكة اليوم: للسياسة والاقتصاد والتجارة وتبادل المنافع. الدوافع تختزلها كلمة واحدة: «التأثير».

أثبتت الشبكة هذا الدور المتنامي في الاحتجاجات التي اندلعت عشية الانتخابات الرئاسية الإيرانية منتصف ‬2009. فالتعبئة وحشد المحتجين، لم يعودوا بحاجة لخطب طنانة يلقيها زعماء سياسيون من على المنابر، بل تكفلت بذلك شبكة الانترنت عبر موقعي «فيسبوك» و«تويتر»، وما كان على الجيل الجديد من الإيرانيين سوى دق كلمات مقتضبة على الحواسيب. الأمر نفسه في الاحتجاجات التي شهدتها مصر عام ‬2008، فقد كانت فعالية الشبكة واضحة، ولا عجب أن يكون أشهر المعتقلين في أحداث ‬2008 تلك، مدونة مصرية شابة اتهمت بالتحريض على الاحتجاجات. تهمة كانت توجه في ما مضى، لنوع نموذجي من المعارضين الآتين من خلفيات عقائدية وسياسية صلبة. وبسبب انعدام مساحات التعبير في الإعلام المملوك للدولة، اتجهت الأجيال الشابة إلى الشبكة ليدشنوا إعلاما من نوع جديد، لا يخضع للرقابة ولا للمقاييس التقليدية التي تلتزم بها وسائل الإعلام التقليدية. وعلى هذا، بات المدونون اسما جديدا في قائمة من تستهدفهم إجراءات القمع.

في احتجاجات تونس الأخيرة، حلت كاميرات الهواتف النقالة مكان كاميرات شبكات التلفزة التي منعت من التصوير، لا بسبب حجمها الظاهر فحسب، بل بسبب القيود الإدارية والسياسية التي تتيح للحكومات التحكم في الإعلام التقليدي.

وإذا كان التصدي للمتظاهرين بالقوة المعتدلة أو المفرطة، بات رد فعل تقليديا متوقعا، فإن استهداف المدونين من قبل السلطات، وحتى الهجمات التي تعرضت لها المواقع الحكومية على الشبكة من قبل مجموعات مجهولة مناوئة للحكومة التونسية، تطرح مفهوما جديدا للمعارك السياسية، مسرحه شبكة الانترنت.

هكذا، فما سمي بالعالم الافتراضي، أصبح عالما واقعيا، بل ممعنا في واقعيته إلى أقصى الحدود الصادمة، لأن مرشِّحات الرقابة (الفلتر) معدومة وما من مقص للمونتاج.

إن التحدي الذي تفرضه الانترنت لا يواجه الحكومات فحسب ولا نزعات الاستبداد، بل إنه يطرح بدائل جديدة لتقاليد طويلة من العمل السياسي والحزبي، وتراث طويل للعمل المدني بأسره. لقد حلت الحواسيب مكان المطابخ الحزبية، وأصبحت المعارك تخاض في فضاء عابر للحدود.

مع البريد الالكتروني، ألغت الشبكة الوظيفة التقليدية لمكاتب البريد، فالرسائل التي كان يستغرق إرسالها أو استقبالها أياما، أصبحت تصل في ثوان معدودة، وهذا كاف لتنشيط خيالنا حول الحدود التي يمكن أن تقودنا إليها الانترنت والتقنيات الحديثة.

صدمة تسريبات «ويكيليكس» أكثر ما سيؤكد دور الانترنت، وهي توالي فعل تقويض متدرج لأسس عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما بعد نهاية الحرب الباردة. فأبرز ما أفصح عنه مؤسس الموقع حول دوافعه في نشر الوثائق السرية، هو أن «ويكيليكس تساعد على تحقيق إصلاح سياسي». وإذا سايرنا أسانج في حديثه عن دوافعه، فإن «ويكيليكس» ليس سوى أداة لتسريع رد الفعل المنتظر (الإصلاح، الدمقرطة.. الخ)، تماما مثل برامج «تسريع التنزيل -لٌٌَُُّفل فككمٌمْفَُُّّْ» المتوفرة على الشبكة. فالفضاء المفتوح الذي تمثله الشبكة، لن يكون له أي معنى أو قيمة دون الشفافية وانعدام الرقابة على المواد المتدفقة فيها. ولعل هذا هو مرجع الهلع الذي تبديه الحكومات حيالها، ويدفعها للدخول في معارك تثير السخرية أحيانا، وتوظف الأموال والمبرمجين لحجب المواقع وتنظيم الهجمات على مواقع معارضة أو مزعجة.

هل يجعل هذا من شبكة الانترنت أداة للدمقرطة؟ أو أداة تسهم في دفع الخطى نحو الإصلاح على أي نحو؟ ربما أن هذا أحد أدوارها الهامة، لكن المؤكد أن دورها المتعاظم بات يفتح آفاقا يصعب الإلمام بما ستقود إليه. ومن المؤكد أيضا أنها أصبحت وسيلة شعبية يوما بعد آخر، ولعل هذا هو مرجع خطورتها في نظر تلك الأنظمة التي نقلت معاركها في العالم الواقعي ضد الدمقرطة والحريات والشفافية، إلى العالم الافتراضي.