مع بداية عام جديد، يعود المرء إلى الوراء، فيستعرض ما مرّ في العام المنصرم، لا ليتأسف على ما فات، بل لكي يستشرف ما هو آتٍ، على سبيل الاستبصار والاعتبار. وقد حفلت السنة الفائتة، عالمياً وعربياً، بالكثير من الأحداث، السلبية والايجابية، أتوقف عند بعض ما أعتبره هاماً من وجهة نظري، أو عندما تأثرت به وتفاعلت معه، سواء تعلق الأمر بواقعة أو تجربة أو شخص أو كتاب.
وأبدأ بمحيطنا الحيوي الذي نعيش فيه، والذي لا حياة لنا من دونه. فقد فاجأت الطبيعة البشر، في العام الفائت، بالتقلبات المناخية الحادة، في غير منطقة. من ذلك أن بعض البلدان ذات المناخ شديدة البرودة في شمال الكرة، شهدت طفرةً إلى الاعلى لا سابق لها في درجة الحرارة، في الصيف المنصرم الذي تحوّل إلى جحيم لا يُطاق. وللإنسان يدٌ في هذا التغيّر، كما يحذّر الخبراء، بشأن الارتفاع المتزايد، وإن بطيئاً، في درجة حرارة الأرض، بسبب ما تنفثه المصانع والمركبات من الغازات الناتجة عن الحرق الهائل للوقود على سطح الكوكب.
وفي هذا درس بليغ عند مَن يتبصّر في العواقب؛ ليس الإنسان سيد الطبيعة ومالكها الذي يتصرّف في ملكه كما يشاء، فمآل ذلك التلوّث والتصحّر والتبدّد، في ما يخص الأرض ببيئتها وكائناتها ومواردها. الأجدى أن نتواضع، بحيث نتخلّى عن نزعة التأله، لكي نفكر ونعمل بعقلية الرعاية والحماية تجاه الأرض والبيئة والحياة. فحق الطبيعة هو قبل حق المعرفة وحقوق الإنسان. من غير ذلك لن تنفعنا تقنياتنا الجبارة ولا عقائدنا السماوية، لا شعاراتنا التقدمية ولا برامجنا التنموية.
لم تغب الأزمة المالية، التي انفجرت في خريف العام 0082، عن مسرح الأحداث في العام الفائت، إذ لا تزال تترك مفاعيلها وآثارها السلبية. وقد أكدت هذه الأزمة، إن كانت هناك حاجة للتأكيد، أن منطق الشراكة، عند من يتدبر، يقتضي أنه لا يمكن للشريك أن يبقى غنياً أو قوياً، في اتحاد ضعيف أو فقير.
وعلى كل حال، فإن من دروس الأزمة المالية الراهنة، أن بروز الدول الناشئة والصاعدة على الساحة العالمية، كالصين والهند والبرازيل، وخاصة الصين التي كانت في السنة المنقضية مركز الاهتمام العالمي، قد منع الانهيار الشامل على المستوى الكوكبي. وتلك هي فضيلة تعددية النماذج في الإنماء والبناء، إنها تحدُّ من الانهيارات، أو تشكل عاملاً لتلافي الأزمات والكوارث الاقتصادية.
وعلى صعيد الأمن يختتم العام، الذي ودَّعناه، عقداً من أكثر العقود وحشية ودموية، إذ هو افتتح بتفجيرات سبتمبر الأميركي، وها هو ينتهي، عالمياً، بالطرود المفخخة التي زرعت الرعب في عدد من العواصم الأوروبية، كما ينتهي عربياً بالمجازر المتواصلة، خاصةً في العراق، وأخصّها بالذكر تلك المذبحة التي نظّمها متطرفون متشددون، وراح ضحيتها جمعٌ من الناس كانوا يصلّون في إحدى كنائس بغداد، وهذا هو الأسوأ والأشدّ خطراً على مصائر المجتمعات.
ولا مبالغة في أن نصف هذا العقد الأول من القرن الجديد، بأنه عقد الإرهاب الذي ازدهر، كماً ونوعاً، بتعميمه وتطوير وسائله بالاستفادة من عصر الاتصال والمعلومة، حيث انفتحت، إلى أبعد مدى، إمكانات التلاعب والانتهاك والقرصنة، في ما يخصّ الأجساد والاموال والأسرار. وإذا كان لي أن أسمّي شخصية العام، فإني أختار تلك الشخصيات الغُفُل، أعني نجوم الإرهاب، الذين يقودون مصائرنا، لكي نحصد كل هذا الهلاك والخراب!
وهذه واحدة من مفارقات عصرنا: تراجع الأمن، مقابل تقدم تقني هائل. صحيح أن الفرد يستعمل، اليوم، أو يستهلك أو يلبي من الأدوات والسلع والحاجيات أضعاف ما كان يفعل من قبل، ولكنه بات يختزن عنفاً مضاعفاً. ربما بسبب ما تتسمّم به الحياة المعاصرة من التعقيد البالغ، والحراك المتسارع، والتحول المفاجئ، والتنافس الذي لا يرحم على الثروة والسلطة، الأمر الذي يزعزع ثقة المرء في نفسه، بقدر ما يجعله فريسة عجزه، أو عبداً لنزواته وهواجسه وألاعيبه، وعلى نحو يفكك أواصر التواصل بينه وبين نظرائه أو شركائه.
وكل ذلك يدعو إلى إعادة النظر في منظومة القيم، التي نشأت أو تعزّزت مع طغيان شعارات السوق والاستهلاك والربح ورفع معدلات التنمية بأيّ ثمنٍ.. لا من أجل العودة إلى الوراء، بل لإنعاش قيم منسية، نحن في أمسّ الحاجة إليها، لتحقيق التوازن والتكامل بين مختلف أبعاد الشخصية. فسيطرة البعد الواحد، كان الدين، أو الاقتصاد، أو الأمن.. مآله الخواء أو الإرهاب.
من هنا نشهد اليوم مؤلفات تحدثنا عن اللطف، والثقة، والمحبة، وتحدثنا بالطبع عن الإيثار والغيرية، بعد أن بات التمترس وراء الهوية، لاستعداء المختلف والآخر، مصدرا للمشكلات والأزمات والكوارث.
وهذا هو الدرس المستخلص من سياسة الهويات المتناحرة حتى الدمار الذاتي. ليست الهوية عزلة أو قوقعة، بقدر ما هي نسبة أو إضافة، أي علاقة بالآخر. فلا استقرار ولا ازدهار لواحد، فرداً أو جماعة، دون مشاركة الآخرين.
على الصعيد العربي، لا جديد يسرّ القلب. فالحروب الأهلية والفتن المذهبية لم تتراجع، بل هي آخذة في التوسع، بفعل انتشار النموذج الأصولي الذي يعمل أهله، سواء من جانب هذه الطائفة أو تلك، بمنطق الاصطفاء والإلغاء، ما يحيل الشريك في الوطن أو الأخ في الدين، إلى عدوّ رئيسي ينبغي شنّ الحرب عليه واستئصاله أو إخضاعه!
وهذا ما يجري في لبنان بين المشروعين المتناقضين والمعسكرين المتناحرين، عربياً وإقليمياً ودولياً، ولذا فالحرب في هذا البلد ما زالت شغّالة، على مختلف مستوياتها، فاللبناني إن لم يحارب بالرصاصات القاتلة، يحارب بالكلمات الجارحة. مما يُبقي لبنان بلداً معلقاً، يُمنع عليه، أو يستحيل، أن يعود إلى وضعه الطبيعي كبلد آمن مستقر، قبل أن تُحلّ في المنطقة جميع المشكلات التي تزداد عدداً وتعقيداً.
وإذا كان هناك استثناء، عربياً، فقد صنعته دولة قطر، هذا البلد الصغير، من حيث عدد سكانه، إذ هي قد اختيرت لكي تستضيف على أرضها وملاعبها، مباريات كأس العالم لكرة القدم عام 2022. وبهذا تخرق قطر السقف المحلي، لكي تمارس حضورها الإيجابي والفعال على المستوى العالمي، في هذا العصر الكوكبي.
وما يفسر هذا الإنجاز، أن قادة قطر والذين يسوسون الأمور فيها، لا يتحدثون عن الغزو الثقافي، ولا يستَعْدون الآخر، وليسوا أصحاب مشاريع أيديولوجية لتغيير العالم، بل هم يتصرفون كساسة محترفين، همهم الأول تقدم بلدهم، عبر المشاركة في صناعة الحضارة وإدارة الشأن العالمي.