استطلعت فضائية إخبارية شهيرة آراء مشاهديها الكثير من العرب، حول مغزى وثائق ويكيليكس، فخرجت بنتيجة تزيد المعنيين حيرة ولا أدرية.
فقد قال نصف المستطلعين تقريباً، إنها مؤامرة أحاكتها الدوائر الاستخبارية الإعلامية الأميركية، بهدف التشهير بأنظمة سياسية ورموز قيادية بعينها؛ خدمة لأغراض معينة.. وأن العرب بالذات يقعون في بؤرة المستهدفين بهذه المؤامرة والفتن التي ستتأتى عنها.
وذهب النصف الآخر إلى أن الوثائق تمثل فضيحة للسياسة الأميركية ومحازبيها وزبائنها، على المستوى العالمي عامة والعربي خاصة، كونها تسهم في كشف عوار بعض النظم والزعماء، مفصحة عن كذبهم وريائهم وازدواجية خطاباتهم واستتباعهم لواشنطن، وأنها لا تتبع أهواء أحد، وإنما جل همها بسط الوقائع كما هي، لوجه الحقيقة ولاشيء غير ذلك بالمرة.
هذه الإجابة غير الشافية عربياً، تعبر بصدق عن عارض البلبلة والقلق الذي أصاب الخلق جميعاً في جهات الدنيا، إزاء ظاهرة يصعب القطع بمستقرها ومستودعها. ولنا أن لا نستبعد وقوع الفرد الواحد في مثل هذا الموقف الحائر، حين يعتقد في لحظة أنه بصدد مؤامرة بعيدة الغور، ويميل في لحظة أخرى إلى أن في الأمر فضيحة، ساهمت تكنولوجيا الاتصالات فائقة التقدم في تفجيرها.
والحق أن كلا من فسطاطي المؤامرة والفضيحة، يملك أدلة لا تخلو من وجاهة ومنطقية. فالقائلون بالمؤامرة يتساءلون عن كيفية الحصول على هذا الكم المليوني من الوثائق شديدة السرية والحساسية، فيما مفاتح شبكة الانترنت في يد الولايات المتحدة ذاتها؟ ولماذا لم تتعرض الوثائق لإسرائيل؟ ألا يعني ذلك انتقائية في البث والنشر لسبب في ضمير ويكيليكس والقائمين عليه؟ وإذا كان من المؤكد أن هؤلاء قد أضروا بفعلتهم بمصالح أميركية عليا، عبر تسريب أسرار الدولة ونشر غسيلها على الملأ، فلماذا لم يطالبوا بالمثول أمام القضاء الأميركي؟ وما الذي ساقهم إلى اختراق ملفات البنتاغون والخارجية، فيما بقيت وثائق مؤسسات حساسة أخرى كالبيت الأبيض والسي آي إيه عصية على الاختراق ولم يمسسها سوء ويكيليكس؟!
لكن أنصار منظور الفضيحة لا يعدمون بدورهم الحجج والمسوغات الداعمة لموقفهم.. منها أن مداخل الانترنت ومخارجها ما عادت حكرا على الراعي الأميركي، وأن عالم الغرب لا يفتقر للعناصر الإنسانوية المحفوزين بالفعل لقول الحقيقة، ولديهم دافع التضحية في سبيل ذلك إلى أبعد الحدود، وأن اقتصار الوثائق المنشورة على ما يخص مؤسسات أميركية دون أخرى، يعود ببساطة إلى تفاوت فرص اختراق مختلف المؤسسات.. وهناك تسرع في اعتبار إسرائيل استثناء مقصودا من عمليات موقع ويكيليكس الذي وعد بالتعرض لها، ولم يمر وقت كاف لاختبار وجود اتفاق ودي له مع الإسرائيليين.
وفي ما يخص هذه الزاوية، يقال بأن (الوثائق العربية) التي أميط عنها النقاب، ربما أضرت بعلاقات العرب ببعضهم البعض أو بعلاقاتهم بغيرهم في الجوار، لكنها أضرت أيضا بعلاقات بعض العرب بكل من الولايات المتحدة وإسرائيل.. وأنها ستجبر العرب الذين قصدتهم بالتجريح والغمز، على توخي الحذر ولجم كثير من مواقفهم وتحركاتهم في السر كما في العلن.
في كل حال، لا نتوقع نهاية قريبة للتراشق بالحجج والبراهين بين هذين الفريقين، لكن ما يمكن التيقن منه في هذا الغمار، هو أن القضية برمتها تغذي النظرية العامة للمؤامرة في صنع السياسة، بشقيها داخل الدول وفي ما بينها. فإن كانت الوثائق تمثل في حد ذاتها مؤامرة؛ أساسها اختلاق بعض الوقائع أو دبلجتها أو تحريفها، فإنها تضيف معطيات دالة ونماذج تخرق الأعين، على أن لهذه النظرية أصولا، وأنها تسعى على قدمين حتى في أزهى عصور الشفافية وانسياب المعلومات..
أما إن كانت الوثائق صحيحة وحقيقية، وتنشر بهدف كشف المستور وإطلاع الناس على بعض ما يدور في كواليس السياسة الدولية، وما تخفي الأنفس والصدور، فإنها توجب الاقتناع أكثر بهذه النظرية، كونها أظهرت أن صناع السياسات والقرارات، يعلنون غير ما يبطنون.. أو ليست المؤامرة تعني الكيد والتدبير في خفاء؟!