سواء كانت هناك مؤامرة أو عدة مؤامرات خارجية، أو أن الأوضاع الداخلية في مصر هي التي فرضت نفسها، فإن كل الشواهد تدل على أن مصر مقبلة على مرحلة تشبه من يمشي على منحدر زلق وغير آمن.

هناك أطراف خارجية لا شك أنها، إما رسمت وخططت مسبقا لما يحدث في مصر هذه الأيام، أو أن تلك الأطراف الخارجية جاءت متأخرة فاستغلت تلك الأحداث على طريقتها الخاصة، ولما يمكن أن تبني عليه مصالحها لاحقا، من خلال تفتيت واحدة من أكبر دول العالم العربي وأكثرها تأثيرا وأهمية وموقعا. فكما نجحت الخطة في السودان والعراق ولبنان وربما اليمن، والتي سبقها دون أن نشعر تقسيم الجغرافيا العربية إلى ثلاثة أجزاء: الخليج، والشام، وشمال إفريقيا، فلماذا لا يتم تقسيم أكبر وأهم دولة عربية بحجم مصر إلى عدة شظايا، وبالتالي ينتهي الخوف من انقلاب الأمور في مصر إن عاجلا أو آجلا وتحولها إلى جمهورية تحكمها أحزاب إسلامية متشددة؟ خاصة بعد أن دخلت مصر تجربة الانتخابات بشكل لم تعهده من قبل!

إن عدم تصديق ما قد تتمخض عنه تجربتها الانتخابية الجديدة، التي قد تتهم بالتزوير والتهديد والوعيد والتضليل والضغوط وزج بعض الأطراف في السجون، أو القول بأن مصر غير مهيأة لمثل هذه التجربة، إلا أن البداية لن تكون أفضل مما هو حاصل، وبالتأكيد فإن الأمور لن تظل على هذه الوتيرة، وقد تتحول مصر مع تكرار التجربة ومع مرور الوقت ـ هذا إذا أراد شعبها! ـ إلى دولة ذات نظام ديمقراطي فريد من نوعه في العالم العربي.

هذه الديمقراطية المصرية، إن تحققت فلن تكون لصالح العديد من الدول التي واجهت نفس التجربة مع ديمقراطية الفلسطينيين، والتي انقلبت فيها الأمور أيضا عندما أعلن فوز حماس في الانتخابات، وأصبحت المسائل أكثر تعقيدا. وحيث ان تجربة الفلسطينيين الديمقراطية الانتخابية وتجربة الجزائر قبلها، قد أوصلتا الحركات الإسلامية إلى سدة الحكم، وأقلقتا العالم الغربي، وعلى رأسه إسرائيل المعنية والمهتمة بالأمر أكثر من غيرها، فليس من المستبعد أن تتكرر التجربة ذاتها في مصر. وقد استطاعت الدول الغربية بما لها من نفوذ على أنظمة الحكم في الوطن العربي، أن تلغي نتائج تلك الانتخابات في فلسطين وفي الجزائر، وتعمل من جديد على طريقتها الاستعمارية القديمة، لزرع من تشاء ممن يوالونها في سياساتها ويحمون مصالحها. فانقسم الفلسطينيون على أنفسهم في دولتين، واحتلت حماس قطاع غزة. وهكذا أصبحت لدينا ‬3 أجزاء فلسطينية: إسرائيل، والضفة الغربية، وقطاع غزة.. إنها على ما يبدو، سياسة التقسيم الثلاثي على مستوى القارات.. ثم الدول!

لكن، من يضمن لهم ذلك في دولة كمصر؟ من حيث حجمها الجغرافي والسكاني، ومن حيث تزايد قوة الحركات الإسلامية فيها التي وفدت إليها من كل مكان. إن الغرب ـ على عكسنا ـ لا يواجه الكوارث بعد حدوثها، وإنما يحاول تجنبها قبل وقوعها بفترة طويلة، أو على الأقل عند حدوثها، ولكن ليس بعد فوات الأوان. وهذا ما يرمي إليه الآن في مصر. فيجب شغلها بنفسها ثم تقسيمها، كما حدث في فلسطين والعراق ولبنان والسودان، والمحاولات جارية في اليمن.. وكل هذه الدول خرجت خاسرة من المعركة.

ومن جهة أخرى، هناك أطراف داخلية في مصر ربما شعرت بأن حقوقها مهضومة، وأن كيانها مهدد مع تزايد عدد المسلمين، وأنها أصبحت مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم، خاصة مع تنامي ظاهرة التطرف الإسلامي في كل مكان من العالم، فتوهم البعض أن هناك من يسانده ويدعمه من الداخل والخارج، للبقاء في وجه الطوفان الإسلامي.

ورغم ذلك، فإن هذه الأطراف لم تر ولم تقتنع ولا ترغب في نموذج السودان المحاذي وحصول المسيحيين فيه، بدعم غربي وإسرائيلي، على الجزء الجنوبي من نهر النيل واحتياطي النفط الهائل، ولا ما حدث في العراق من تقسيمه إلى ثلاثة كيانات، وحصول الأكراد على الجزء العلوي من نهر الفرات مع منابع النفط التي لا تنضب، فالنموذجان غير صالحين للتطبيق في مصر، فأي تدهور أمني أو محاولة انفصال في مصر قد تنعكس عليهم. فمسيحيو مصر لهم مكانتهم في تاريخ المنطقة، وفي وقفتهم مع المسلمين في كثير من الأحداث والأزمات، وفي الدفاع عن أرض النيل، والأحداث الأخيرة لن تكون حصان طروادة الذي سيستغله العملاء ليدكوا أسوار بلد النيل، ويخسر المسلمون والمسيحيون أمانهم واستقرارهم وبلدهم.

الأحداث الأخيرة في مصر، التي راح ضحيتها أكثر من ‬23 مسيحيا ومئات الجرحى، أيا من كان خلفها، يجب ألا تحدث شرخا في بناء مصر الاجتماعي والثقافي.. والتجارب علمتنا كيف أن وحدة الشعوب هي أساس رخائها واستقرارها.

المسيحيون كالمسلمين لا يريدون أكثر من حقوقهم العامة، والمطالبة بالحق شيء والتفرقة شيء آخر. والكل متفق على أن المسيحيين في جميع أرجاء العالم الإسلامي، لهم حقوق وعليهم واجبات منذ أن قامت الدولة الإسلامية.

فهل يشكل توافق واتفاق وتعاون المسلمين والمسيحيين في مصر، السد العالي الثاني الذي يحميها من الغرق؟