لعل أبرز حدثين في العقد الأول المنصرم من القرن الحادي والعشرين، هو قيام الولايات المتحدة بغزو أفغانستان عام 2001، ثم غزو العراق عام 2003. الحدثان وقعا بقرار من إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، بأهداف معلنة هي محاربة الإرهاب في أفغانستان وتجريد العراق من أسلحة التدمير الشامل. القرار الأول لقي دعما كليا من الغرب، في حين لقي القرار الثاني دعماً جزئياً منه.
من الخطأ اعتبار القرارات التي صدرت لشن هاتين الحربين، ردود أفعال للسياسات المعادية للولايات المتحدة، التي انتهجها النظامان في هذين البلدين. فهناك أنظمة ليست أقل عداء للولايات المتحدة منهما، كوريا الشمالية مثلاً. وذلك لأن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، لا دولة أفراد كما هو الحال في معظم دول الشرق الأوسط.
أسقطت الولايات المتحدة نظام طالبان ونظام صدام حسين، لتحقيق أهداف يلف بعضها الغموض، تتعلق بالإستراتيجية الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وأبرزها توفير السبل المختلفة للسيطرة على مصادر الثروات الطبيعية في العالم، وتوسيع نفوذها الاقتصادي والعسكري والسياسي والفكري، وإكراه الشرق الأوسط، لأهميته الاستثنائية، على تبني الثقافات والسلوكيات والممارسات التي أنتجتها الحضارة الغربية.
في كلتا الحالتين سعى الغرب بقيادة الولايات المتحدة إلى بناء دولتين دستوريتين قويتين في البلدين، تنبثقان عن إرادة شعبية تقررها انتخابات حرة نزيهة، وهو منهج ديمقراطي يرى أن قوة الدولة تكمن في الأسس التي تبنى عليها. هذه الرؤية تنسجم مع معطيات حضارية أفرزتها تجارب الدول الناجحة التي بنيت على أسس كهذه، إلا أنها من جانب آخر تتجاهل إلى حد كبير الخصائص المجتمعية لهذين البلدين.
صحيح أن هناك طموحات مشتركة لدى الإنسان في أية بقعة من بقاع العالم، لأن يكون حراً في إبداء الرأي وحراً في اختيار النظام السياسي في بلده، ومن حقه أن يتوافر لديه كل ما هو جديد يثري حياته المادية والفكرية، إلا أن الممارسات من أجل تحقيق هذه الطموحات، ترتبط إلى حد كبير بالثقافة المجتمعية السائدة وبمدى عمق جذورها.
من الصعب القول بأن الناخب في أفغانستان أو في العراق، يمنح صوته في الانتخابات النيابية على أسس البرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعرضها المرشحون لعضوية المجلس النيابي، كما هو الحال في الدول الديمقراطية الغربية، بل قد يمنحها، وهذا هو الأرجح، على أسس غير هذه.
لم يكن النظامان السياسيان في أفغانستان والعراق ينسجمان في ممارساتهما مع روح العصر، فقد عزلا دولياً، ولكن من السذاجة في الوقت نفسه توقع تحسن الأوضاع في البلدين بتجييش الجيوش وإسقاطهما، كما حلم الكثيرون من أبناء البلدين، وكما وعدت الولايات المتحدة شعبي البلدين بغد وردي ديمقراطي، يطرز سماءي كابول وبغداد. فالبون شاسع بين أحلام الرومانسي وواقعية السياسي!
رغم الفوارق في مستوى التطور الاجتماعي بين البلدين، إذ إن المجتمع العراقي أقرب من المجتمع الأفغاني إلى الحياة المدنية المعاصرة، إلا أن أبرز معالم أفغانستان الجديدة والعراق الجديد، هو عدم الاستقرار. البلدان يتعرضان لصراعات داخلية حادة، بعضها ظاهر وبعضها خفي، تصل في أحيان كثيرة حدود الاحتراب، لأسباب عديده: كثيرها عشائرية أو عرقية أو مذهبية أو مناطقية أو جهوية، وقليلها سياسي.
الفارق الهام بين البلدين هو أن العملية السياسية في العراق، لا تواجه مقاومة ترقى في عنفها إلى مستوى المقاومة التي تبديها حركة طالبان والفصائل المتحالفة معها في أفغانستان، رغم أن الخسائر الأميركية في العراق تبلغ ضعف خسائر حلف الأطلسي في أفغانستان، لأنها ليست اللاعب الأقوى في ساحاته. ولكن من جهة أخرى، فإن هناك تشابهاً في الحالتين، وهو تعثر المشروع الأميركي في البلدين وتضاؤل فرص نجاحه. فالمشكلات في أفغانستان والعراق لم تتفاقم منذ احتلالهما فحسب، وإنما برزت إلى السطح مشكلات جديدة وخطيرة، توشك أن تعصف بمستقبلهما. كما أن الصراعات في هذين البلدين، يمكن أن تتسع وتنتشر إلى دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط وفي وسط آسيا، وذلك لوجود عوامل تساعد على ذلك في المنطقتين.
فرواد العملية السياسية في العراق قد أخفقوا، بعد مخاض طويل وعسير دام تسعة أشهر، في تشكيل حكومة تحظى بقناعة رئيسها، ناهيك عن بناء دولة، في حين عجزت الولايات المتحدة بعد تسع سنوات عن حسم حربها في الساحة الأفغانية. فخسائر حلف الأطلسي في عام 2010، فاقت خسائره في أي من السنوات التسع المنصرمة. كما بلغت هذه الخسائر في السنتين الأخيرتين منذ تولي الرئيس أوباما منصبه، أضعاف الخسائر في سبع سنوات من حكم سلفه.
والآن وبعد مرور هذه السنوات الطوال، هل سيعيد راسمو السياسات في الولايات المتحدة حساباتهم؟ وهل يمتلكون من الشفافية والشجاعة ما يكفي ليعترفوا بعدم النجاح، لا نقول الفشل، في الحالتين؟ إذ رغم وفرة ودقة المعلومات التي توافرت لديهم حول أفغانستان والعراق، ورغم كثرة الدراسات العميقة والمستفيضة التي تتعلق بمستقبل هذين البلدين، والتي أعدتها مراكز أبحاث ودراسات متخصصة، فإن قرارات إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، أوصلت أفغانستان والعراق إلى ما هما عليه الآن. فقد فشلت تلك الإدارة في قراءة الشرق الأوسط قراءة واقعية، لأنها قرأته بعيون غير شرق أوسطية.
هناك العديد من مخططي السياسة الأميركية يرون أن نتاج تدخلهم في البلدين لم يحقق النجاح المرجو، ولم يجلب استقراراً مقبولاً، ولعل قناعاتهم بأن أياً من هذين البلدين من الصعب حكمه بطرائق ديمقراطية حقيقية تتعزز. ويبدو أن إدارة الرئيس الأميركي أوباما أقرب إلى الاقتناع بأن الطموح لتأسيس حكومات على النمط الغربي في أفغانستان والعراق، في غير محله، وربما بدأت ترى أن العمل من أجل تحقيقه لم يعد ضرورياً أصلاً. وقد أصبح جل اهتمامها هو إضعاف فرص نموذج الاحتراب الصومالي، وتعزيز فرص نموذج التوافق اللبناني، لأن الوضع المجتمعي يساعد على ذلك في الوقت الحاضر، خاصة وأن هناك سياسيين من قادة الطوائف في البلدين، يرحبون بذلك، بل ذهبوا إلى أبعد منه، بتوفير البنى التحتية لتنفيذه.