من شــرفتي في الدور الحــادي عشر في فــندق شــيراتون الخــور، شهدت نهايات عقد وبدايات دخول عقد جديد. كان المنظر رائعاً، إذ من بعــيد بدا برج خليفــة شامخاً ينتظر اللحظات التي تسبق ميــلاد عــام جــديد، ليكتسي حــلة مــن أنــواع وأشــكال الإضــاءة المبهــرة للبصــر والمفرحــة للقلب. فضلت المكوث حيثما كنت، لأن شموخ البرج كان لا تخطئه العين، وحينما نظرت من شرفتي فإذا بألوف مؤلفة تفعل ما أفعل، فتقف على خور دبي لتشاهد الحفلة الجماعية المرتقبة. ثم كانت تلك الحفلة من الألعاب النارية التي أخذت بالألباب والعقول، لتودع دبي وساكنوها وزائروها عاماً مليئاً بالأحداث والإنجازات، متمنين أن يكون القادم أفضل.
ولم يشأ مترو دبي إلا أن يحتفل مع المحتفلين وييسر من أمرهم، فمد خدمته إلى الهزيع الأخير من تلك الليلة، ليتيح لمرتاديه متعة السهر، وعلى وجه الخصوص عند النوافير الراقصة تحت برج خليفة العظيم. وما يثلج الصدر هو أن نحواً من مئتي ألف تقريباً، استخدموا قطارات المترو في تلك الليلة. والحق أن مترو دبي هو المشروع الاستراتيجي الأهم في البنية التحتية، والذي أنجز الخط الأحمر منه في السنوات العجاف، والعالم كله يمر بأزمة مالية. أما الخط الآخر، وهو الملون بالأخضر، فسيفتتح أواخر هذا العام، وقد ودع العالم ومعه دبي، تلك الأزمة التي عصفت بالجميع.
ولعــل قــدرة دبي، في زمن الجدب المالي، على إنجاز مثل هذا المشروع، ومشاريع أخــرى كمطار آل مكــتوم، لدليــل على تمتعها بديناميــة عجيبة، تكفل لها الاستمرار في المشاريع الاستراتيجية حتى في الأوقات العصــيبة، على عكس التهويل الذي كانت تتعرض له من بعض الصحف الغربية في الوفاء بالتزاماتها. ولا شك أن مترو دبي، فضلاً عن حفظه للبيئة بتقليل الانبعاثات الغازية السامــة الخارجــة مــن عــوادم آلاف السيارات والشاحــنات التي ترتاد شــوارعها ليــلاً ونهاراً، فإنه أيضاً يسر من سبل التنقل وسرّع منه وقلل من تكاليفه. وعند اكتماله سيكون ميسوراً الوصول إلى أسواق دبي القديمة المكتظة في داخل البلدة القديمة، بسهولة ويسر ما بعده سهولة ويسر، فتخيلوا كم من الوقت والمال يستلزم حــالياً للركــوب في سيارة أجرة من المطار، والتوجه إلى سكة الخيل أو ساحة الفهيدي مثلاً؟!
ولا شك أن السنة الماضية حملت إلينا أخباراً طيبة وأخرى سيئة، لعل أحلاها ذاك المتعلق باختيار دولة قطر الشقيقة لتنظيم كأس العالم في العام 2022، فتكون قد نالت الشرف في أن تمثل العرب في تنظيم أول ألعاب عالمية يشاهدها الملايين في أرجاء المعمورة الأربع. والحق أن هذا الاختيار لم يأت من فراغ، فقطر الصغيرة، أثبتت للعالم كما دبي، أن الحجم ليس مقياساً للإنجازات الكبيرة في عالم اليوم، وأيضاً في تاريخ الإنسانية منذ عصورها السحيقة. ها نحن نرى دولاً شاسعة في مساحتها، لكن ليس لها في ميزان الحضارة أي ثقل. وها نحن نرى سنغافورة الصغيرة وهي تقوم مقام دول كبيرة. ثم لا ننسى البندقية في العصور الوسطى، ودورها الريادي التجاري والمالي والثقافي، إذ منها انطلق عصر النهضة الأوروبي. وقبلها بقرون طويلة «أثينا» التي ابتدعت الفلسفة والعلوم، والتي ما زالت القضايا التي طرحها مفكروها شغل العالم الشاغل، من قبيل ما هو الحق والعدل والفضيلة.
حمل إلينا العام السابق، أيضاً، ما يكدر الصفو ويقبض النفس، من قبيل تلك الأعمال الإجرامية في حق إخوتنا المسيحيين، وآخرها التفجير الذي حصل في الإسكندرية لكنيسة لأقباط كانوا يشاركون فيها العالم احتفالاته برأس السنة. وتلك الهجمات المتكررة التي ما فتئ المسيحيون أيضاً يتعرضون لها في العراق، من شماله إلى جنوبه. وهذا العنف امتد في منطقتنا إلى أصحاب الطوائف الأخرى من نفس الديانة، مما يستلزم وقفة جادة من مفكرينا وحكوماتنا، للوقوف أمام الفكر الديني المتطرف ومحاربته على مستوى الفكر، وتجريده من المشروعية الدينية التي يدعيها، قبل التفكير في محاربته بقوة السلاح.
وشــهد العــام الفائت تصاعد دعوات الانفصال في بلدين عربيين على الأقل، فالسودان مقبل على ذلك في هــذه الأيــام، حيث كل المؤشرات تدل علــى انفصال جنوبه عن شماله، ولا نعرف كيف ستكون عليه علاقة البلدين، حيث ان الثروة النفطــية ســتكون على مناطق حدودهما. أما في العــراق، فدعــوة البرزاني كانت واضحــة وصريحــة في مؤتمر حزبه، إلى أن يكون إقليم كردستان دولة مستقلة، وهو ما سيدخل المنطقة في تعقيدات يصعب تحديدها في الوقت الراهن.
وتبقى أم القضايا التي تؤرق الضمير العــربي بل والعــالمي، وهــي قضية الشعب الفلسطيني الــذي ما زال يناضــل للحصــول على حقوقه التي لم ينل منها شيئاً، بعــد مفاوضــات اســتمرت زهــاء عقدين. ولا نضيف جديداً إن قلنا إن هذه القضية دخلت منعطفاً صعباً، يترافق مع الاختلاف في البيت الواحد. إلا أن بارقة الأمل ربما أتت من العدد المتكاثر من الدول والشعوب، التي باتت تنظر إلى الحق الفلسطيني المغتصب كحق لا بد أن يرد إلى أصحابه. فلا يمكن الاستهانة بثقل دولــة من وزن البرازيل، ورغبتها في الاعتراف بالدولة الفلسطينية على أراضي الرابع من يونيو عام 1967.
نتمنى أن تكون السنة المقبلة سنة خير.. وكل عام وأنتم بخير.