غالبا ما تفرز تفاعلات الأحداث السياسية على مستوى قضية السلام في الشرق الأوسط وقائع كانت تلقى إنكارا ورفضا من الأطراف المعنية فيما قبل، وأوضح الدلائل على ذلك تلك العلاقة المهتزة والضبابية، بين الإدارة الاميركية وإسرائيل، وفي تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمس قال بأن إسرائيل كانت مستعدة لتمديد جزئي لبناء المستوطنات لمدة ثلاثة اشهر اخرى إلا انه تلقى رسالة من الإدارة الاميركية بأن ينسى هذه المسألة، لأنها لن تؤدي إلى نتيجة، وهذا التصريح يحمل مغزى شديد الأهمية حيث يلقي نتنياهو على واشنطن باللائمة في تجميد المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع الجانب الفلسطيني، ونظرا لأن مصادر الإدارة الاميركية لم تعلن عن ذلك في حينه.
كما انها لم تنف ما ورد في تصريح نتنياهو، فإن في ذلك ما يكفي من الدلالات للذين يواظبون على القول بأن الحلول للملف الفلسطيني لابد ان تمر من واشنطن عملا بالمقولة التي سادت لفترة بأن 99% من أوراق اللعبة في يد الأميركيين، لكن هاهي الوقائع والتصريحات التي تشير إلى عكس ذلك فنتنياهو اضطر إلى الافصاح عنها لتخفيف الضغط الدولي عليه ومن ثم عمل على تصدير أسباب الإخفاق إلى الإدارة الأميركية.
ولأنه كبقية رؤساء وزراء إسرائيل السابقين يراهن دائما على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الولايات المتحدة حتى يقفز إلى صفوف الرابحين لابتزاز الإدارة الجديدة، لذلك فهو توجه بحديثه الى إدارة أوباما تحديدا دون الكونجرس، لأن إسرائيل تستشعر حالة الضعف والوهن التي وصلت إليها الادارة في البيت الابيض، بل هو يراهن في احباط الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية على الكونجرس، باعتبار انه لن يوافق على ذلك الاعتراف، ومعروف ان الكونجرس يعارض معظم ما تطرحه الإدارة من قرارات.
ولكن هنا يبرز سؤال مهم: ماذا لو كان تصريح نتنياهو هذا قد ورد على لسان رئيس وزراء فلسطيني او عربي؟! بالطبع في هذه الحالة كانت أبواق الدعاية الاميركية والإسرائيلية ستنطلق لتسفيه ونفي التصريح بل وتصعيد المسألة إلى مستوى عدائي، يصم المسؤول العربي بأنه ضحية نظرية المؤامرة، وأن واشنطن جادة في عملية السلام إلى غير ذلك من ادعاءات.
واذا امكن تصديق نتنياهو في حديثه هذا، بالنظر إلى ترهل الموقف الاميركي من مسألة الاستيطان الإسرائيلي، واعلان واشنطن انها غير قادرة على وقف البناء في البؤر الاستيطانية، فإن الذي لا يمكن تصديقه هو ان الجانب الفلسطيني لم يتقدم قيد أنملة بخطوات لدفع السلام قدما.
فالفلسطينيون أعلنوا استعدادهم لتبادل الأراضي، وهذا بحد ذاته يشكل اختراقا في الصميم لحلحلة التسوية السلمية، كما لا يمكن تصديق المزاعم بأن قطاع غزة لا يمكن ان ينضم الى أي اتفاق سلام بحجة خطر التوغل الإيراني في القطاع، ولكن المؤكد ان كل أطراف وشرائح الشعب الفلسطيني وقياداته تتطلع الى السلام، ولكن السلام العادل والشامل والدائم الذي يقوم على المواثيق والقرارات الدولية، وليس على ما تروجه إسرائيل من أباطيل.
وتصريح نتنياهو امس فضلا عن انه يفضح التراجع الاميركي، الا انه يشير في نفس الوقت الى عمق المأزق الذي وصل إليه ساسة إسرائيل بعد توالي الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية الجديدة