من يريد حربا دينية بين المسلمين والمسيحيين في مصر والعراق؟ مثلما رددنا قبل سنوات: من يريد حربا طائفية بين المسلمين أنفسهم، بين السنة والشيعة؟

تردّنا هذه الهجمات التي يتعرض لها المسيحيون العرب (في مصر والعراق) إلى كل تلك الطروحات التي راجت منذ سبعينات القرن الماضي، وبعثت مجددا بعد هجمات ‬11 سبتمبر، حول تفتيت البلدان العربية. ليس من وسيلة أفضل من الحروب الطائفية والدينية.

هل يصح القول إن هذه الهجمات التي يتعرض لها المسيحيون العرب، يقوم بها شبان متعصبون طائشون أو مغرر بهم؟ هل يمكن أصلاً إبداء أي نوع من التهوين هنا بمثل هذه التفسيرات؟

إن تاريخ الإرهاب في العالم، منذ إرهاب فوضويي القرن التاسع عشر على الأقل، يضع أمامنا حقائق أساسية هنا يتعين إدراكها جيدا.

الأولى؛ أن الإرهاب على هذا المستوى، ليس عفوياً وليس حركة معزولة. وإذا كان هذا قد يصح (في حدود معينة ولفترة زمنية قصيرة جدا) على بدايات إرهاب القرن التاسع عشر خصوصا الذي قاده الفوضويون، فإن المراحل اللاحقة أثبتت دوما أن الاغتيالات وتفجير المباني ذات القيم الرمزية سياسيا أو دينيا، ليست عفوية أبداً.

الثانية؛ أن «الاختراق» هو رديف العمل السري منذ أقدم العصور. وإذا كان تاريخ العالم الحديث قد أثبت شيئا، فهو قد أثبت أن تاريخ الحركات السرية ليس سوى صراع بين البقاء والاختراق. وعليه، ليس من تنظيم سري في العالم عصي على الاختراق. إن الاختراق هو إحدى أدوات السيطرة والتوجيه في عالم السياسة والمصالح، وميدانه ليس حرب التجسس بين الحكومات فقط أو بين الحكومات ومناوئيها، بل إن له صورا ناعمة للغاية، حتى في الحياة اليومية.

أيا كان تفسير الهجوم الذي تعرضت له كنيسة القديسين في الإسكندرية، أو الهجمات التي يتعرض لها مسيحيو العراق، فإن هذا سيقودنا من جديد إلى سؤالنا الأول: من له مصلحة في إشعال حرب دينية في مصر بين المسلمين والمسيحيين، سواء في مصر أو في العراق؟

الدخول في لعبة التكهنات، سيكون نوعا من الرياضة الذهنية الإجبارية، لكننا سنكون مخطئين إن توقفنا عند هذا الحد، دون أن نصل إلى أقصى الشوط: الهدف السياسي أو الاستراتيجي لعمليات مثل هذه. هذا الهدف سيكون غائبا عن منفذي العمليات من شبان صغار في العشرينات من أعمارهم، لكنه حاضر بالتأكيد في أذهان من يقف وراءهم.

في هجوم الإسكندرية، فإن التفسير التقليدي الذي يحوم حول عنف التنظيمات الإسلامية لن يصمد كثيرا. فعدا أنه مريح للذهن وينم عن بلادة، فإن ثمة حقائق عدة تدحضه. أولها، أن أسلوب هذه العملية المشينة يعد جديدا في مصر، سواء أكانت سيارة مفخخة (وهو ما استبعده المحققون المصريون) أو انتحاريا. هذا مؤشر أول يتعين الانتباه له جيدا.

أبعد من هذا، فإن مصادر العنف «التقليدي» الذي ضرب مصر في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، توقفت عن شن هجمات في مصر بعد أن استنفدت مداها وطاقتها، منذ المراجعة الشهيرة للجماعة الإسلامية أواخر تسعينات القرن الماضي. فآخر عملية منسقة ومخططة جيدا، هي تلك التي وقعت عام ‬1997 واستهدفت سياحا أجانب في مدينة الأقصر أقصى جنوب مصر، وقيل وقتها إنها كانت رد فعل أخير لتنظيم يحتضر هو تنظيم «الجهاد».

العمليات المتفرقة التي شهدتها مصر منذ ذلك الحين، لم تتم بمثل هذا الاحتراف، ولا بمثل بصمات التنفيذ التي تم بها هجوم الإسكندرية، سواء تلك العمليات التي تمت في سيناء، أو آخرها التي تمت بعبوة ناسفة في خان الخليلي في قلب القاهرة العتيقة قبل نحو ثلاث سنوات. لكن نوعية الشحنة المتفجرة ولمسات الاحتراف، تعيدنا عقودا طويلة إلى الوراء. إلى السبعينات تحديدا وإلى بيروت، المشتبه به هنا هو إسرائيل، خصوصا في ظل رئيس وزراء أهوج ومغامر مثل بنيامين نتنياهو.

سبقني إلى مثل هذا الاحتمال خبراء مصريون، ومن المؤكد أن احتمالا كهذا يتراقص في أذهان الكثيرين، عربا وغير عرب. إنه ليس نوعا من ذلك التفكير النمطي الرائج في منطقتنا، بل إن ثمة منطقا يمكن أن يسنده.

توقفوا عند التوقيت، فالعملية تأتي بعد أيام قليلة فحسب من كشف مصر شبكة تجسس إسرائيلية مرتبطة بشبكات في سوريا ولبنان. ومن يعرف المصريين جيدا، سيدرك حتما أن المصريين المتمسكين بأقصى حدود الكياسة الدبلوماسية (إلى حد الصمت المقلق أحيانا)، لن يعلنوا عن أمر مثل هذا ما لم تكن في أيديهم أدلة لا تدحض وهي من الخطورة بحيث لا يبقى من مناص إلا إعلانها، وبالتأكيد بعد دراسة كل التبعات.

إن منطق العنف بسيط، سواء في العراق أو في مصر أو في أي بلد آخر. فهو فعل غاضب مدفوع بحماسة من نوع ما، لكن غايته هي استجلاب رد فعل آخر، رد فعل خصوم من أي نوع، حقيقيين أو مفترضين. لكن، من يريد دفع الأقباط المصريين إلى رد فعل؟ ومن يريد دفع المسيحيين العراقيين إلى رد فعل؟

أيا كان المتهم المحتمل، هل يمكن أن يكون إشعال احتراب أهلي بين المصريين أو العراقيين هدفا يمكن الدفاع عنه أو تبريره؟

إن كان الأمر سينتهي عند أولئك الشبان الأغرار الطائشين، فإن هؤلاء إما سذج وجهلة (وهو أمر وارد) وإما أنهم مخترقون. لأن النتيجة في نهاية المطاف واحدة: إشعال حرب دينية، فمن سيستفيد أن يقتتل العراقيون في حرب دينية مثلما جرت محاولات دفعهم إلى حرب طائفية؟ ومن المستفيد أن يشعل حربا دينية بين المصريين؟

إن هذا، من وجهة نظري، بات يستدعي رد فعل استثنائياً يوازي حجم المخاطر التي يحملها مسار مدمر كهذا.. فالحاجة باتت ماسة لمراجعة شاملة للعلاقات بين المسلمين والمسيحيين العرب، وسائر الأقليات الدينية الأخرى.. فما يجري يثبت أن هناك إخفاقا مريعا، لم تعد تجدي معه النوستالجيا.