هل تُكتب نهاية الأسرار مع الدخول في عصر الصورة والشبكة والشفافية؟
مثل هذا السؤال يمليه الحدث العالمي الذي شغل الدول وووسائل الإعلام، في الآونة الأخيرة، كما تمثل في استيلاء موقع ويكيليكس الالكتروني، على وثائق دبلوماسية أميركية تعتبر سرية، ثم تسريبها لكي تنشر في كبريات الصحف والفضائيات العالمية.
الوثائق عبارة عن تقارير ومذكرات، منها ما يتعلق بسياسة أميركا وكيفية تعاملها مع الأحداث والدول وبقية العالم، ومنها ما هو أحاديث أدلى بها رؤساء وساسة، في مباحثاتهم مع الأميركيين، ظنوا أنها سوف تبقى سرية ولن يكشف النقاب عنها. هذا الحدث الذي وصف بأنه تاريخي، استثار الكثير من ردود الفعل، على الساحة العالمية، ومن غير جهة.
لا شك أن مثل هذه العملية من السطو على المخزون الأميركي من الوثائق السرية، من جانب قراصنة الشبكات العنكبوتية، يُعدّ إهانة للدولة العظمى، بقدر ما هو بمثابة نشر غسيل للدبلوماسية الأميركية التي تظهر عارية، مفضوحة، أمام الأميركيين أنفسهم وأمام العالم أجمع.
على صعيد الخارج قد تُلحق العملية الضرر بالولايات المتحدة، إذ هي تفقد الثقة بسياستها، بقدر ما تسيء إلى الدول والحكومات الأخرى، ممن يطال نشر الوثائق قادتها وساستها وسفراءها، إذ هي تكشف على نحو سافر وفاضح مواقف لهم لم يريدوا كشفها للعالم، ولا حتى لأبناء بلدهم.
لا يعني ذلك أن هذا النوع من الأسرار يكشف لأول مرة، فلا ينبغي التهويل في هذا الخصوص. فالرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون كان ضحية نشر معلومات من هذا القبيل، قادته إلى تقديم استقالته من سدّة الرئاسة. والأهم أن مثل هذه المعلومات لا تذيع جديداً، بالنسبة إلينا في العالم العربي أو الإسلامي، إذ هي تقال مداورة، وأحياناً بصورة سافرة.
ومن يستمع إلى الخطابات الداخلية في كل معسكر، في لبنان، يجد أن كل فريق أو حزب يتعامل مع خصمه، أي شريكه في الوطن، بوصفه عدوه الرئيسي الذي يتمنى موته. ومن يجهل هذه الحقيقة يدفن رأسه في الرمال. وهكذا فنحن لم نكن ننتظر فضائح الدبلوماسية الأميركية، لكي تكشف عن أسرارنا وفضائحنا.
أياً كان، فإن عملية ويكيليكس تشكل فعلاً منعطفاً تاريخياً على المستوى الإعلامي، لأنها تدخلنا في عصر الشفافية القصوى، حيث لا شيء ولا شخص ولا عمل يفلت من براثن الشبكات العنكبوتية، وحيث الكشف يتم، لأول مرة، بهذا الحجم الهائل من الوثائق والتقارير (250 ألف وثيقة). وهكذا لم تعد الأجساد وحدها تعرض من على الشاشات شبه عارية، لقد أتى دور الدبلوماسية التي تخلع ثوبها لكي تظهر عارية، بكل صلفها ومكرها وجواسيسها، وبكلّ كواليسها وعملائها ومؤامراتها.
هنا أيضاً ليس الأمر جديداً، فالإعلام ما كف يوماً عن ملاحقة المشاهير من الفنانين والسياسيين، لكي يتتبّع أخبارهم ويتلصّص على حياتهم الخاصة. والكتاب الذي صدر مؤخراً في فرنسا عن «أسرار الرؤساء»، هو شاهد في هذا الخصوص، إذ يعرض وثائق سرية في ما يخصّ العلاقات والمباحثات بين عددٍ من رؤساء الدول. ولكن ذلك كان بمثابة استثناء، ليتحول اليوم إلى قاعدة.
ففي فرنسا، نفسها، استطاع الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران أن يحتفظ بسر علاقته بامرأته الثانية، وإنجاب ابنته منها، إلى ما قبيل وفاته. أما اليوم فلم تعد هناك أسرار، حيث تمطرنا وسائل الإعلام، بين الفترة والأخرى، بالأخبار المتعلقة بالحياة الحميمة للرئيس ساركوزي وزوجته كارلا بروني.
من هنا فإن الشفافية المتولدة عن عصر الإعلام والصورة والشبكة، تكاد تقوّض الحياة الحميمة للأشخاص الذين يشتغلون بالحقل العام، وتأتي حادثة ويكيليكس لكي تنتهك ما كان مستثنىً حتى اليوم. فالتقارير السرية للدول ووزارات الخارجية، هي الآن مادة السطو والنشر في الفضاء العمومي الكوكبي.
هل معنى ذلك أنه لن تبقى هناك أسرار في المستقبل إلا ما دُوِّن على الورق فقط، ولم يتحول إلى نص الكتروني؟ إن الحدث مفتوح على احتمالاته. والقراءة في عملية ويكيليكس تطرح مسألة السرّ عموماً، من حيث علاقته بالديمقراطية وحق المعرفة والاستعلام. والسؤال هنا: هل ينبغي نشر كل شيء باسم المساواة في الاطّلاع على الحقائق أو نشر المعلومات؟
نحن نتردّد بين مُطلَقَيْن كلاهما تطرّف أقصى له مأزقه: التعتيم الكامل، والشفافية القصوى. والتعتيم هو سمة الحكومات الاستبدادية والأنظمة الشمولية والمجتمعات المغلقة، التي يفكر قادتها عن الناس ويتعاملون معهم بوصفهم قاصرين لا يجوز أن يعرفوا كل شيء.
هذا الأمر لم يعد ممكناً اليوم في عصر الصورة والشبكة، حيث الإشهار والإعلام يمكن أن يطال كلّ شيء. ولكن ذلك لا يعني الانتقال إلى الطرف الأقصى، لكي نعيش في عالم كلّ شيءٍ فيه مُعلَن أو مكشوف. فلا مساواة تتحقق مع التعتيم الكامل الذي ينقض مبدأ حق الجميع في الحصول على المعلومات، ولكن لا حياة تُعاش من دون أسرار.
هذا شأن الفرد من حيث علاقته بنظرائه: لا تستقيم حياته إذا لم تكن له دخيلته أو عالمه الخاص أو خزانة أسراره. ولذا فالمرء هو الذي لا يكشف للآخرين عن نواياه ومقاصده وعما يفكر فيه، وإلا فقد هيبته وسلطته. ولكن المرء، هو، من وجه آخر، مَن لا يفعل في السرّ ما يخجل أن يفعله في العلن.
كذلك الأمر على الصعيد السياسي. فلا سياسة لدولة لا تمتلك أسرارها، سواء تعلق الأمر بأعدائها أم بشركائها. مع الفارق أن السياسي الماهر، كما وصفه معاوية أو ماكيافللي، هو الذي يظهر دوماً على غير حقيقته، كأن يتظاهر بالانخداع لكي يخدع غيره. بهذا تفترق السياسة عن المروءة.
وهكذا، فإذا كان التعتيم لم يعد ممكناً في عصر الشفافية القصوى، فإن الحياة تصبح مستحيلة إذا لم تكن لها خفاياها وأسرارها، سواء على صعيدها الفردي أو الجمعي. وتلك هي المعادلة: فكما أن اللذة هي ثمرة التردد بين الحجب والكشف، فإن سياسة المرء، في ما يخص علاقته بنظرائه وأنداده، وحتى شركائه، تتأرجح بين الحجب والنشر، بحيث يحتفظ بما لا يعلمه سواه، أي بما يقدّر أنه ورقته التي يلعب بها، والتي هي مصدر قوته، وإلاّ لما كانت ثمة حاجة إليه، وتلك هي الاستراتيجية.
كاتب ومفكر لبناني