لا توجد أي دولة أخرى تطرح مشكلة بالغة الخطورة على العالم اليوم، كتلك التي تطرحها كوريا الشمالية، وفي الوقت الراهن يمكن للسلوك المشين من جانب كوريا الشمالية، أن يجر الولايات المتحدة إلى حرب أخرى. وكما قال الرئيس الصيني «هو جينتاو»، فإن «التوترات» في شبه الجزيرة الكورية يمكن أن تنفلت «خارج نطاق السيطرة». يعتبر معظم الناس كوريا الشمالية بلداً متقلباً ولا يمكن التنبؤ بتصرفاته، ولكن في الواقع، يتبع تصرفها عادة نمطاً ثابتاً، إذا أخذت في الاعتبار أكبر احتياجين لها. فهي تطالب بأن تتم معاملتها باحترام، وتشتهي المعونة الوفيرة.
انظروا إلى ما حدث في الفترة التي سبقت إطلاق كوريا الشمالية النار على جزيرة يونبيونغ التابعة لكوريا الجنوبية. ففي وقت سابق من شهر نوفمبر الماضي، أفاد تقرير للأمم المتحدة أن كوريا الشمالية بحاجة ماسة إلى المعونة الغذائية، حيث يعاني نصف الأطفال هناك من من سوء التغذية، وبعضهم بالفعل يتضور حتى الموت جوعاً. ومن الواضح أن قادة كوريا الشمالية لا يعبأون كثيراً بالأمر، ولكن إذا كان الناس يتضورون جوعاً، فإن «القائد العظيم» كيم يونغ إيل وأتباعه، يحتمل أنهم لا يحصلون على كل ما يريدونه أيضاً. في الأسابيع الأخيرة، انطلق «كيم يونغ إل» مرتين إلى بكين لطلب مساعدة إضافية، وعاد في المرتين خالي الوفاض. ومع تفاقم اليأس، طلبت «بيونغ يانغ» من كوريا الجنوبية استئناف الرحلات عبر الحدود إلى جبل «كومغانغ»، وهو منتجع مفضل تابع لكوريا الشمالية. وفي الماضي أنفق الزوار من كوريا الجنوبية ملايين الدولارات هناك، وهي العملة الأجنبية التي تحتاجها كوريا الشمالية أمسّ الاحتياج. لكن كوريا الجنوبية رفضت.
وقتها أخبرت كوريا الشمالية جارتها الجنوبية بأنها سوف تسمح بزيارات لجمع شمل الأسر، في حال قدمت هذه الأخيرة 300 ألف طن من الأسمدة (نتيجة النقص الشديد في الإمدادات) و500 ألف طن من الأرز، ومرة أخرى رفضت كوريا الجنوبية.
ماذا يمكن أن تفعل كوريا الشمالية بعد ذلك؟ ما من أحد كان يظهر لها الاحترام، وما من أحد كان يعرض المساعدة، لذا فقد فتح العسكريون النيران. بعد ذلك، أبدى العالم الاهتمام فجأة مرة أخرى، وفي البداية التزموا بالنص. وحث الجميع الصين، الحليف الوحيد لكوريا الشمالية، من أجل كبح جماح جارتها. ووجّه الرئيس الأميركي باراك أوباما نداءه أخيراً. رفضت الصين، كالعادة، وبدلاً من ذلك دعت الولايات المتحدة دولاً أخرى إلى بكين لإجراء محادثات، وهو على وجه الدقة ما كانت تريده كوريا الشمالية. وعلى طاولة المحادثات، يمكن للكوريين الشماليين المطالبة مجدداً بمساعدة سخية، مقابل وعد بعدم شن مزيد من الهجمات.
هذه المرة كانت مختلفة، فقد رفضت الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية الحضور، فهم الآن يدركون اللعبة. وعندما ظهر مسؤول من كوريا الشمالية في المحادثات أخيراً، لم يكن هناك أي شخص آخر.
ما الذي يحدث بعد ذلك؟ توقعوا هجوماً أقوى وأكثر فتكاً. وفي وقت سابق من هذا العام، أغرقت كوريا الشمالية سفينة حربية تابعة لكوريا الجنوبية، مما أسفر عن مصرع 46 بحاراً من طاقمها. وفي نوفمبر الماضي فتحت كوريا الشمالية نيرانها على تلك الجزيرة، مما أسفر عن مصرع أربعة أشخاص. وقال «بروس بينيت»، وهو محلل بارز في شؤون كوريا الشمالية في مؤسسة «راند»: «لم تحصل بيونغ يانغ على ما تريد، ومن المحتمل أن تلك الهجمات ليست إلا بداية ؟ستفزازات كورية شمالية مماثلة، خلال العام الجديد أو نحو ذلك».
يمكن أن يطرح ذلك مشكلات أخطر من أي وقت مضى، فحكومة كوريا الجنوبية تتألم أشد الألم جرّاء الهجوم الأخير، وأجبر وزير الدفاع على الاستقالة، ويصف ساسة المعارضة الحزب الحاكم بأنه ضعيف ومتذبذب. لذا فإن كوريا الشمالية تقوم بمناورات بالذخيرة الحية قبالة السواحل الكورية، وتهدد بغارات جوية إذا عاودت كوريا الشمالية الهجوم مرة أخرى.
وبالنسبة لقادة كوريا الشمالية، حسبما قال لي «بينيت»، فإنه لا يوجد شيء يلمّع صورتهم على نحو فعال، كمهاجمة كوريا الجنوبية. فمن يدري ما الذي قد يفعلونه إذا ردت كوريا الجنوبية بقسوة على أي استفزاز مستقبلاً؟ تمتلك كوريا الشمالية أكثر من 5 آلاف صاروخ متوسط المدى موجهة إلى سيؤول. وأخيراً، أعلنت الحكومة أنها أضافت أكثر من 100 صاروخ. وبمقدورهم تدمير المدينة.
بوسعنا أن نأمل ألا تكون كوريا الشمالية شديدة الحماقة، وإنني على ثقة أن «كيم» يعرف أنه إذا استخدم أحد أسلحته النووية، «فإننا سوف نحول كوريا الشمالية إلى ساحة لوقوف المركبات»، على نحو ما قالت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة «كوندوليزا رايس». وإنني أشك أن الصورة مختلفة إلى حد كبير الآن. ولكن لا تنسوا أن معاهدة الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لا تزال سارية، وتحتفظ الولايات المتحدة بقوة عسكرية قوامها 28,500 جندي هناك، مقرها في مركز القيادة في منطقة تانغو، في عمق أحد الجبال إلى الجنوب من سيؤول، وهي منطقة على استعداد للحرب في أي لحظة. وعلى الأرجح، لن يتعين على الضباط في مركز قيادة تانغو أبداً إطلاق شرارة الحرب، ولكن الأمر المثير للقلق بشكل أكبر هو معرفة إن كان «كيم»، السكير والمريض، يهيمن على القرار، ويبدو العالم عاجزاً عن منعه. واعتماداً على ما يقرر القيام به، فإنه يمكن أن يزج بنا جميعاً في غمار صراع رهيب لا أحد يريده.