اليوم هو ثاني أيام السنة الميلادية الجديدة، وهو كذلك ثاني أيام العقد الثاني للألفية الثانية، وكل عام والجميع بخير وعالمنا العربي والإسلامي في أمن وازدهار. نعم، لقد كان العقد المنصرم قاسياً على العرب والمسلمين، ولكنه لم يكن كذلك رحيماً بغيرهم. ففيه عانى العرب والمسلمون من تبعات أحداث الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001، بحربين كبيرتين في كل من أفغانستان والعراق، وبحروب إسرائيلية متغطرسة وهمجية ضد لبنان وفلسطين، وأخرى داخلية لا حاجة لها في اليمن، وبكوارث طبيعية دمرت المسلمين في العديد من الديار الإسلامية. ولكن العقد المنصرم لم يترك الآخرين من دون أن يقسو عليهم بأوبئة، وبكوارث طبيعية مدمرة، وبزلزال مالي هز أكبر اقتصاديات العالم وألحق بها الضرر الجسيم.
لقد رحل العقد الأول من الألفية الثانية، وبدأ العقد الثاني وأيدي العرب على قلوبهم متوجسين من ما سيؤول إليه حالهم في العقد الجديد، وبالذات في سنته الأولى التي وكما يبدو تحمل في طياتها العديد من نذر الشؤم عليهم. ثلاث محطات مهمة يحملها لنا عام 2011، تنذر بالتوتر في الساحة العربية وتجعلنا نتوجس من العام الجديد.
أولى هذه المحطات في لبنان، حيث تمتعت الساحة اللبنانية في السنة المنصرمة، بنوع من الثبات والاستقرار السياسي والأمني، إلا أن هذا الوضع يُتوقع له التحول في العام الجديد، نحو إدخال لبنان في دوامة جديدة من الخلافات التي قد تؤدي لعودة البلاد إلى نقطة الصفر، حيث المواجهة السياسية والعسكرية هي شعار المرحلة المقبلة. ففي أية لحظة في عام 2011 ستعلن المحكمة الخاصة بالنظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري حكمها؟ وفي أية لحظة بعد ذلك الحكم يمكن أن يثور الخلاف بين أولئك الذين يصرون على أهمية قرار المحكمة وشرعيته، وبين أولئك الذين لا يرون في ذلك الحكم سوى وسيلة إسرائيلية ـ أميركية للنيل من حزب الله؟ وبين هذا الموقف وذاك، لا يبدو أن الوضع في لبنان سيكون مطمئناً على الإطلاق. فعام 2011 هو عام خطير بكل معنى الكلمة، على لبنان واللبنانيين الذين أصبحوا ومنذ فترة يجهزون أنفسهم استعداداً لعام جديد عنوانه المواجهة، فعسى الله أن يلطف بلبنان وشعبه.
ثانية المحطات العربية الخطرة مرتبطة بالسودان، حيث الساحة هناك ستشهد بعد أيام استفتاء لأهالي الجنوب على حق تقرير المصير. وكل المعطيات تشير إلى أن الاستفتاء سيؤول إلى إعلان الجنوبيين رغبتهم الانفصال عن السودان، والاستقلال في دولة منفصلة ذات سيادة. إعلان انفصال جنوب السودان سيفتح المجال أمام سيناريوهات متعددة للوضع في السودان والوطن العربي. فقد يؤدي قرار الانفصال إلى عودة حالة التوتر العسكري بين الشمال والجنوب، إذا لم تقبل الحكومة السودانية بنتيجة الاستفتاء لأي سبب كان، وإذا لم تحل المشاكل العالقة بينهما. وقد يؤدي نجاح الانفصال إلى تشجيع أطراف أخرى في السودان على السير على ذات النهج، كأولئك الذين يحاربون الدولة السودانية في دارفور، حيث إنهم سيأخذون من نتيجة الاستفتاء حافزا للمطالبة بما طالب به الجنوبيون، ولو تطلب الأمر الاستمرار في المواجهة العسكرية مع الدولة السودانية. ومع انفصال جنوب السودان ستصبح المنطقة ملاذاً قوياً للنفوذ الإسرائيلي، للتوغل في منطقة حيوية لأمن الدول العربية في تلك الرقعة الجيوـ استراتيجية، حيث النفط ومياه النيل. وقد يكون تأثير ذلك الانفصال أبعد نحو دول عربية أخرى كالعراق والمغرب، حيث المطالبة بحق تقرير المصير قائمة لدى الأكراد في العراق ولدى الصحراويين في المغرب، مما يجعل باب تجزئة الدول العربية وتقسيمها مفتوحا على مصراعيه، الأمر الذي يهدد أمن المنطقة بأسرها.
وثالثة المحطات العربية الخطرة التي يحملها عام 2011 متعلقة بأم الدنيا، وأم العرب، مصر الكبيرة، التي ستشهد في العام الجديد انتخابات رئاسية قد تكون هي الأهم والأبرز في تاريخ مصر، حيث إن تداعياتها ستكون كبيرة. أياً كانت نتيجة هذه الانتخابات، فإنها ستدخل مصر في دوامة من التوتر، مردها الاتهامات التي سترتفع من قبل الحكومة والمعارضة لسير الانتخابات ونتيجتها. مشاركة الرئيس حسني مبارك في الانتخابات ضرورية، حيث إن فتح المجال أمام ابنه جمال لدخول الانتخابات، قد يزيد من غليان الشارع المصري الرافض لفكرة التوريث ولو جاءت بشكل قانوني. ولعل آخر ما تريده الدول العربية هو فلتان الوضع في مصر، الذي ستكون تداعياته خطيرة على الكثير من الأنظمة في المنطقة.
في ظل مثل هذا الوضع الذي تحمله لنا رياح عام 2011، فإن الحديث عن أمن وازدهار العالم العربي سيكون مجرد أمنيات، حيث إن الشغل الشاغل للدول العربية سيكون مواجهة تداعيات مثل تلك التطورات، بمزيد من الترتيبات الأمنية وقليل من مشاريع التنمية المحورية.
وستبقى منطقة الخليج العربي، ورغم كل ما يحدث فيها ومن حولها من تطورات سلبية، هي الوحيدة في الجسد العربي التي ستحمل روح الطموح لاستقبال عام 2011 بتفاؤل ونظرة أمل لما ستسعى لتحقيقه من خلاله. فدول مجلس التعاون الخليجي تحمل مشروعاً نهضوياً متميزاً في العالم العربي، قوامه التركيز على التنمية البشرية، رغم كل الظروف.. وهو ما عودتنا عليه في كل عام.
