أثار تفجر الصدام بين بيونغ يانغ وسيئول أزمة عالمية حادة، ينذر تطورها بحرب لا يستطيع أحد تقدير أبعادها ولا نوعية الأسلحة التي ستستخدم فيها، خاصة أن أحد الطرفين يملك أسلحة نووية والآخر تدعمه أكبر قوة نووية في العالم. هذا الصدام بدأ بعد قيام كوريا الشمالية بإطلاق قذائف على جزيرة يونبيونغ في منطقة منزوعة السلاح، تم تحديدها في أعقاب الحرب التي دارت بين الكوريتين بين عامي 1950- 1953، ما دفع كوريا الجنوبية للرد بإطلاق قذائف على كوريا الشمالية. وأدى الحادث إلى مقتل 4 كوريين جنوبيين بينهما مدنيان، وجرح 15 آخرين.
الصراع في شبه الجزيرة الكورية أشبه بصراع الديناصورات، حيث لا يخفى على أحد الدعم الروسي والصيني لكوريا الشمالية، والدعم الأميركي لكوريا الجنوبية. ولكن دبلوماسية الطرفين تختلف تماماً، فبينما تستخدم واشنطن لغة التهديد والوعيد وتجري المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية في البحر الأصفر، نجد موسكو وبكين تلتزمان بالدبلوماسية الهادئة وتدعوان الطرفين للحوار والتهدئة، ولا مانع لديهما من إدانة بيونغ يانغ بطريقة غير مباشرة. وقد أعلن سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي إدانة موسكو لعمليات القصف وطالب على الفور قيادتي البلدين بضبط النفس، مؤكداً أن الخلافات في العلاقات بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، يجب أن تحل عبر الطرق الدبلوماسية، وأن روسيا مهتمة بإحلال السلام والاستقرار بالقرب من حدودها، موضحاً أن على المجتمع الدولي إيجاد حلول وسط وإعادة كوريا الشمالية إلى طاولة المباحثات لنزع السلاح النووي، وخلق مناخ للحوار لمعالجة الوضع القائم في شبه الجزيرة الكورية.
وكان من المنطقي أن تبدأ موسكو اتصالات مع بكين، لبحث سبل تهدئة الوضع في شبه الجزيرة الكورية، وتخفيف حدة التوتر بين سيئول وبيونغ يانغ، إضافة لبحث إمكانية استئناف المحادثات السداسية. وحرصت روسيا على دعم مقترح التفاوض مع كوريا الشمالية لمنع محاولات عزلها دولياً، باعتبار أن هذه المحاولات يمكن أن تزيد من تصعيد التوتر، وتدفع حكومة بيونغ يانغ إلى إجراءات أكثر خطورة. ورغم أن كوريا الشمالية حليفة لروسيا والصين، إلا أن النظام الحاكم فيها صعب المراس ويعشق المفاجآت، حتى لو أغضبت هذه المفاجآت حلفاءه الكبار.
من المرجح أن تكون الدوافع الحقيقية لهذا الاشتباك ذات طابع داخلي، يتمحور حول اقتراب موعد تسليم السلطة في كوريا الشمالية من كيم جونغ إيل إلى خليفته، ولا يمكن استبعاد أن تكون الرسالة المقصودة من هذا الصدام، هي توجيه تحذير إلى الدول الأخرى بعدم التدخل في شؤون كوريا الشمالية، أو كما رجح العديد من الخبراء، بمثابة محاولة لتوحيد مواطني كوريا الشمالية حول وريث الرئيس الحالي، تحت عنوان تجنب الخلافات في الوسط السياسي في كوريا الشمالية.
لكن المشكلة تكمن في السياسة الأميركية، التي حرضت قيادة كوريا الجنوبية على مواصلة خططها الخاصة بتنفيذ مناورات عسكرية بحرية أميركية ـ كورية مشتركة، قرب شبه جزيرة كوريا، وتشارك فيها حاملة طائرات أميركية، رغم تأكيد العديد من الخبراء والمراقبين أن واشنطن هي المستفيد الأكبر من هذا التصعيد، حيث ان المزيد من تهديدات كوريا الشمالية لجيرانها، وخاصة اليابان وكوريا الجنوبية، يضمن بقاء القواعد الأميركية في هذين البلدين اللذين يؤويان على أراضيهما أكبر عدد من القواعد الأميركية في العالم. وهناك مطالبات كثيرة داخل البلدين بطرد القواعد الأميركية، علماً أنه من المستبعد تماماً، في حالة اندلاع حرب، أن تشارك فيها القوات الأميركية، لأن موسكو وبكين لن تسمحا بذلك، هذا بالإضافة إلى أن واشنطن نفسها لن تجازف بالدخول في حرب ضد قوة عسكرية نووية لا يستهان بها مثل كوريا الشمالية.
ورغم أن الخارجية الروسية اتخذت إجراءً مسؤولاً، ودعت كوريا الجنوبية إلى الامتناع عن التدريب على القصف المدفعي المقرر إجراؤه في حوض البحر الأصفر، وإلى ضرورة ضبط النفس وعدم القيام بخطوات قد تؤدي إلى تصعيد الوضع. ورغم ضغوط المجتمع الدولي ومساعي روسيا لتهدئة التوتر، إلا أن كوريا الجنوبية قامت بوضع طائرات قتالية من طراز «ف ـ 15 ك» في حالة تأهب على البحر الغربي قرب الحدود بين الكوريتين، ونفذت تدريبات عسكرية بإطلاق قذائف مدفعية في المياه، بالقرب من حدودها مع كوريا الشمالية، وسط تهديدات بيونغ يانغ بالرد. وتم ذلك بدعم من واشنطن.
لقد لجأت روسيا إلى تنسيق تحركاتها لاحتواء الأزمة مع الصين والولايات المتحدة واليابان، لأن اندلاع نزاع مسلح سيهدد أمن المنطقة المجاورة في شرق آسيا كلها، باعتبار أن كوريا الشمالية دولة نووية. وتكمن خطورة الوضع الراهن في غموض مواقف حكومة كوريا الشمالية، رغم أنها أبدت هذه المرة تريثاً، ولم ترد على التحرك الكوري الجنوبي.
وتقدمت موسكو بالتنسيق مع الصين، بمشروع قرار إلى مجلس الأمن لاحتواء الأزمة بالطرق الدبلوماسية، وقد حذرت روسيا كل الأطراف الدولية من الفشل في إيجاد حلول لتصاعد التوتر في شبه الجزيرة الكورية، ولكن للأسف حالت واشنطن، التي ترأس مجلس الأمن الآن، دون طرح المشروع الروسي على المجلس، الأمر الذي زاد من صب الزيت على النار، وما زال الأمر ينذر بالانفجار.