سوف يسجل التاريخ عام 2010 باعتباره العام الذي أصبحت واشنطن فيه «مواتية للأعمال». ولا يرجع ذلك إلى أنها لم تكن غير مواتية كثيراً في السابق. وسيقول البعض إن برامج الإنقاذ لـ»وول ستريت» و«أميركان إنترناشيونال غروب» و«جنرال موتورز» و«كرايسلر»، كانت مواتية كأقصى ما يمكن أن تكون المواتاة. بالإضافة إلى ذلك، أعطت واشنطن مكاسب كبيرة لشركات الأدوية وشركات التأمين الصحي في قانون الرعاية الصحية الجديد، وقدمت إعانات لشركات الطاقة في حزمة الحوافز، والمليارات من الدولارات للمقاولين المدنيين والعسكريين.
ولكن بالنسبة لأميركا المؤسسات، فإن واشنطن لم تكن مواتية بما فيه الكفاية. قبل انتخابات التجديد النصفي، اتهم «إيفان سيدنبيرغ» الرئيس التنفيذي لشركة «فيريزون»، الرئيس الأميركي باراك أوباما بأنه أوجد بيئة معادية للاستثمار ولتوفير فرص العمل. وفي الانتخابات قدم قادة الأعمال بأغلبية ساحقة دعمهم للجمهوريين.
لذلك فقد استسلم البيت الأبيض للضغوط في ما يتعلق بتخفيضات الضرائب من عهد بوش للأثرياء، وهو يقول لكبار التنفيذيين إنه سوف يقف بجانبهم من الآن فصاعداً. وكما قال الرئيس أخيراً لمجموعة من كبار التنفيذيين، فإن الاختيار: «ليس بين الديمقراطيين والجمهوريين، وإنما بين أميركا ومنافسينا في جميع أنحاء العالم. ويمكننا أن نكسب المنافسة». هناك مشكلة واحدة فقط. المؤسسات التجارية الكبيرة في أميركا تتراجع هويتها الأميركية، فهي تتجه إلى الخارج من أجل المبيعات والموظفين، وهذا هو سبب تحقيقها أرباحاً قياسية في عام 2010، بينما لا توفر فرص عمل أميركية.
فلننظر في واحدة من أكثر المنتجات شعبية في عيد الميلاد على الإطلاق، هاتف آي فون من شركة آبل. قام باحثون من معهد بنك التنمية الآسيوي بتحليل الجهاز، الذي يصل سعر الجملة له حوالي 179 دولاراً، لتحديد أين تذهب الأموال فعلياً. وبعض هذه الأموال يظهر في أرباح آبل، التي تحلق عالياً.
هناك حوالي 61 دولاراً من سعر الـ179 دولارا، تذهب إلى العمال اليابانيين الذين يصنعون المكونات الرئيسية للجهاز، وتذهب 30 دولاراً للعمال الألمان الذين يزودون بالقطع الأخرى، و23 دولاراً لعمال كوريا الجنوبية الذين ما زالوا يقدمون مكونات أخرى، وحوالي 6 دولارات تذهب إلى العمال الصينيين الذين يقومون بتجميع الجهاز، بينما يذهب معظم الأموال الباقية لعمال في أماكن أخرى على امتداد العالم، يصنعون مكونات أخرى. ولا يذهب للعمال الأميركيين سوى حوالي 11 دولاراً من قيمة الجهاز، ومعظمهم من الباحثين والمصممين.
وحتى الشركات الأميركية القديمة ذات التقنية العتيقة، حققت أموالاً كبيرة في الخارج خلال عام 2010، ووفرت قدراً كبيراً من فرص العمل هناك. فعلى سبيل المثال، شركة جنرال موتورز تحقق الآن ربحاً لا بأس به، والمستثمرون الأميركيون متفائلون بشأن مستقبلها. وهذا لا يعني أن جنرال موتورز سوف توفر الكثير من وظائف العمال ذوي الياقات الزرقاء في أميركا. ورغم ذلك، فعام 2010 كان عاماً لافتا لمبيعات الشركة الخارجية، التي تشكل بالفعل ثلثي إجمالي المبيعات، وتواصل الارتفاع. في أكتوبر الماضي، أصبحت جنرال موتورز أول شركة لصناعة السيارات تبيع أكثر من 2 مليون سيارة سنوياً في الصين. فالشركة تصنع المزيد من السيارات في الصين الآن، أكثر مما تصنعه في الولايات المتحدة. وقد وقّعت لتوها صفقة مع شريكتها الصينية، في محاولة لشقّ سوق السيارات الهائل في الهند.
وفي الوقت نفسه، وبالعودة إلى موطنها في الولايات المتحدة، خفضت الشركة تكاليف العمالة، وتم جلب تعيينات جديدة بحوالي نصف الأجور والمزايا تقريباً التي كان يحصل عليها الموظفون السابقون في جنرال موتورز، ضمن هيكل أجور ذي مستويين وافق عليه اتحاد عمال السيارات في أميركا. وتقريبا قام جميع الموردين لجنرال موتورز في الولايات المتحدة، بتخفيض كشوف الرواتب لديهم.
الأمر بالقدر نفسه، حتى بالنسبة لأكبر شركات التجزئة في الولايات المتحدة. فلم يكن عام 2010 عاما جيداً، بشكل خاص في شركة «وولمارت» في الولايات المتحدة، فقد انخفضت مبيعاتها في الربع الثالث، في الوقت الذي واصل المتسوقون في الولايات المتحدة الإمساك عن الإنفاق مرة أخرى.
ولكن «وولمارت العالمية» تساهم بقوة في أصولها الأساسية. وبالنسبة لفرع الشركة في بريطانيا «أسدا»، سوف تضيف 7500 وظيفة جديدة العام المقبل. كذلك فإن أداء الشركة في اليابان والبرازيل جيد، وتوظف بجنون في كلا البلدين.
لذلك عندما يقول الرئيس أوباما للتنفيذيين الأميركيين أن أكبر تحدٍ بالنسبة لأميركا يأتي من الخارج، لك أن تتعجب! فقادة الأعمال التجارية الأميركية بالفعل في الخارج، وهم يحققون نتائج طيبة.
وما أن انتهت انتخابات التجديد النصفي، حتى صرح «لاري سامرز» كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس أوباما، أمام مجموعة من كبار التنفيذيين الأميركيين، بأن الانتخابات كانت جزئيا عبارة عن «رفض للنخب.. الذين نظر إليهم كمواطنين ينتمون إلى دافوس أكثر من انتمائهم إلى بلدانهم». يتعين على التنفيذيين الأميركيين، بحسب تحذير «سامرز»، «التفكير بغاية الجدية في شأن التزاماتهم كمواطنين ينتمون إلى أميركا».
نعم، إنهم مواطنون. ولكنهم أولاً وقبل كل شيء، رؤساء تنفيذيون. ويجب على الرؤساء التنفيذيين إظهار الأرباح، وأينما تأتي تلك الأرباح. في ظل الرأسمالية على الطريقة الأميركية، فإن الأرباح مسألة مهمة، وليس الوظائف. كان عام 2010 عاماً أصبحت فيه واشنطن أكثر «مواتاة للأعمال». وكانت النتيجة وظائف أكثر وأفضل، ولكن ليس في أميركا.