يؤثر الذين عاينوا تحولات العالم الجديد، الأخذ بالحوار كمدخل لاستواء التواصل على أرض الوحدة. يرجع الأمر في ذلك إلى تصورات مسبقة، تقوم في الغالب الأعم، على الشعور بأن العالم يقترب من نفسه، ولا بد له من أوعية اتصال تنتظم أطواره، وتستعيد وحدته على نشأة أخرى.
لقد بدا وكأن القرن الحادي والعشرين، الذي وُصف بأنه قرن التوحيد العالمي، هو الأكثر وجوباً للحوار مما كانت عليه حال القرن المنصرم. فثمة من ذهب إلى أن الصورة لم تلبث إلا قليلاً على شائعة التوحيد، حتى عاد العالم ليسكن أحياءه المغلقة. ثم ليتبيّن لكثيرين كيف استيقظ العصب الأقلّوي، ليغدو الفاعل الأعظم في إعادة تشكيل نظام القيم.
تفترض الصورة إذاً، مقاربة للحوار في ما هو مسعى لتتعرَّف الذات إلى صورتها وإلى صورة الآخر الذي يناظرها، ثم لتحمي الزوايا الحادة بين الأنا والغير، حيث الغير ـ ضمن هذا المحل من الفهم ـ ليس إلا ما تنطوي عليه الأنا لتبلغ تمامها. فالحوار في هذه المنطقة المعرفية، إنما هو صيرورة الأنا إلى الغير. ثم لتنبسطا معاً به على الرضى والقبول والحراك المشترك.
لكن المقاربة تفترض تحويلاً للشائعة، التي تقوم على تلك الثنائية المتنافرة بين الأنا/ الآخر، كأن يصير الكلام على واحدية الأنا والغير، تظهيراً لمنحى جديد في مفهوم الحوار. ذلك أن الغير يعني هذا الآخر الذي يمكث فينا، ولا نملك أن نفارقه قط. وهو نفسه الذي سنعقد وإياه صلات، هي أقرب إلى محاورات داخلية، منها إلى مناظرات مع آخر في الخارج. وهكذا يغدو الحوار ضمن هذه الوحدانية بديلاً من الجدال العدمي، الذي غالباً ما ينبني على فرضية حضور الآخر كنظير سالب للأنا، أو بوصفه صحيحاً حسب تعبير سارتر.
بسبب تعدد أوجه استعمال مصطلح الحوار، وبسبب سوء توظيفه في حقول النزاعات السياسية والثقافية والاجتماعية والعقائدية، فقد لحقت بالمفهوم التباسات شتى، حتى إننا غدونا في أحايين كثيرة، نرى إليه كما لو كان اصطلاحاً يوضع في غير محله. فقد جرى تحويره وتحويل المراد منه، وفقاً لأغراض وأهواء ومصالح الجهات التي تضعه في مجال الاستعمال.
فالآليات العامة التي تجعل الحوار يمضي بالمتحاورين إلى غاياتهم المأمولة، ينبغي لها أن تلحظ مبدأ التكافؤ والرضى والتوازن في ما بينهم. ذلك أن الحوار في أحواله ومبانيه وغاياته، قائم على الاعتراف والتقابل السويّ. وحق كل فريق، سواء كان فرداً أم جماعة، في المشاركة المتساوية المتكافئة، في تقرير الصياغة النهائية لشكل ومضمون المسألة التي يجري الحوار بشأنها.
إن الانطلاق من هذا المبدأ، سوف ينجز نصف المسافة المؤدية إلى الصيغة الفضلى من الاتفاق والحل المفترض. وبالتالي فمن البداهة ألاَّ يكون الحوار حقيقياً وسويَّاً في حالة الغلبة وعدم التكافؤ، وإلاَّ صارت كل صيغة تنتجها مجالات التحاور، أدنى إلى عملية استلاب، أو أنها فعل أمريّ يفرضه الأقوى على الأضعف، ما يؤدي في النهاية إلى خلل في نظام الحياة.
على هذا الأساس، فإنَّ استقامة الحوار على مبدأ التوازن والاعتراف وحرمة تجاوز حدود الغير، يفترض مراعاة جملة من الشروط والقواعد والآليات، يمكن إجمالها على النحو التالي:
أ - الحوار يجب أن يكون مباشراً. وعلى هذا، فإنَّ العلاقة الأفقية والمباشرة بين المتحاوِرين، هي التي ينبغي توفيرها أولاً لكي يجري حوارهما على نحوٍ سويّ.
ب - وضوح الخطاب. أي أن تكون اللغة التي يستخدمها كل طرف، مفهومة وبيِّنة بالنسبة إلى الطرف المقابل.
ج - النظر إلى الغير بما هو غير، له وجوده، وشخصيته، وله ميزاته السالبة والموجبة. ينبغي أن تتوفَّر القناعة الكاملة، بأنَّ الغير هو كيان كامل. إن لم أستطع النظر إليه من هذه الزاوية، فإني أكون كمن يحاور كائناً أبتكره وفق ما أريد، وليس طبقاً لكينونته.
د - الإعراض عن إسقاط ما تمتلئ به الأنا المحاورة، على الغير من يقينيات. فالحقيقة مطلقة، غير أن رؤيتنا لها أو قدرتنا على إدراكها، هي نسبية ومتغيرة، ومن خلال التحاور نصل إلى فهم أكبر للحقيقة. ولسوف ننجز المزيد من الفهم، كلما قطعنا مسافة إضافية على الطريق الطويل الممتد والمكتظ برحمانية التساؤل.
هـ - احترام الغير، هو أن أراه حيث هو، خارجاً عن أي اتهام معلن أو كامن، وبالتالي أن أنظر إليه خارجاً عن أي نية من جانبي. أن أحترم الآخر، هو أن أعترف أن له الحياة نفسها التي أُعطيت لي، من دون زيادة أو نقصان، فألتقيه حيث هو، وبهذا أكون قد دعوته كي ينظر إليَّ حيث أقف، لا من حيث هو يريد لي الوقوف. إن ذلك يتطلب استعداداً لضبط وقائع مسالك الأنا وأهوائها وأغراضها.
و- لا نستطيع القول إننا نتحاور كطرفين، إن نحن نظرنا إلى الغير انطلاقاً من تعميم يُخرجه من فرادته، فهذا الغير هو كائن له هويته الكاملة، من قبل أن يكون مجرد كائن أحاوره لأبلغ وإياه ما هو مشترك بيني وبينه. وبالتالي، أن أرى فيه شخصاً جديداً، ليس الآن فقط، بل في كل لحظة. فكل لحظة حوار مع الغير، هي نظرة جديدة إليه، تجعلني أراه مولوداً في كل لحظة. إخراج الغير من التعميم، ومن الصور التي رسمناها عنه، أو رسمها عنه آخرون، هو خطوة أولى في سبيل فك ذواتنا من سجن الرؤية المعتمة، بما يؤدي إلى تحرير سوانا من سجن نظرتنا.
إنَّ هذا ما يجعلنا بالتالي نقف أمام بعض ككيانين، من دون أن يذوي واحدُنا في الآخر. فكما يجب أن أنظر وأرى إلى الغير كما هو، عليَّ أن أسهم في أن ينظر الغير إليَّ كما أنا، وليس كما تعكس صورَنا التعميماتُ والأحكام المسبقة.
إن الغير، باختصار، هو النظير المعادل لذواتنا على التمام. وهنا بالضبط، يمكن أن نؤسس لحوار من نوع جديد، حوار ينطوي على معانٍ ومقاصد وغايات لا يشوبها النقصان ولا الاستلاب..