على الرغم من أن الهدوء الذي هيمن على الكونغرس في الأسابيع الأخيرة، سينقلب إلى معركة حامية الوطيس في الشهور المقبلة بشأن تقليص الإنفاق، فإن المفارقة الجديرة بالتأمل هي أنه من بين كل بنود الميزانية الفيدرالية الأميركية، فإن البند الوحيد الذي يوجد اتفاق على عدم تقليصه، هو الاعتمادات المخصصة لإسرائيل!
فالهدوء والفاعلية اللذان شهدتهما جلسات الكونغرس الأميركي التي انعقدت بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، يظلان خادعين، ولا ينبئان بما قد يأتي بعدهما من عاصفة، سوف تهب على الولايات المتحدة، بمجرد تولي الكونغرس الذي انتخب في نوفمبر مقاليد الحكم. فالكونغرس الذي أصدر في نوفمبر وديسمبر عددا من التشريعات المهمة، هو الكونغرس المنتهية ولايته، لا ذلك الذي انتخب في نوفمبر. فكما هو الحال مع الرئيس الأميركي الذي ينتخب في نوفمبر ثم يتولى الحكم فعلياً في يناير التالي ـ بينما يظل الرئيس المنتهية ولايته في مقعد الرئاسة بعد الانتخابات وحتى تولي الرئيس الجديد ـ فإن الكونغرس الذي ينتخب في نوفمبر لا يتولى العمل إلا في يناير هو الآخر.
ومن هنا، فإن ما جرى منذ الانتخابات بين الرئيس والكونغرس، من توفيق أدى لتمرير عدد من التشريعات المهمة، ليس معيارا للحكم على طبيعة العلاقة بين الرئيس والكونغرس، ولا بين الحزبين في المرحلة المقبلة. فالرئيس كان في الفترة التالية على الانتخابات قد وصل لاتفاق مع الجمهوريين، تم بمقتضاه مد العمل بالخفض الضريبي الهائل الذي صدر في عهد بوش، والتصديق على معاهدة ستارت النووية. كما تم أيضا خلال الشهر الجاري إلغاء السياسة المتبعة منذ عهد كلينتون، بخصوص المثليين الذين يخدمون في الجيش. فقد وقع أوباما على رفع الحظر الذي كان مفروضا على إفصاحهم عن هويتهم وميولهم الجنسية علناً.
لكن، رغم أن أياً من تلك القوانين لم يكن ليمر دون تعاون الحزبين، إلا أن هذا لا ينفي مطلقا أن الجمهوريين سيأتون لمقاعد الأغلبية باستراتيجية مختلفة، عبر عنها الكثير من قياداتهم علناً. فزعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ كان قد قال صراحة قبل الانتخابات، إن الهدف الأكثر أهمية على الإطلاق عند فوزهم سيكون «حرمان أوباما من ولاية ثانية»، وهو ما يعني صداما مستمرا مع الرئيس، لا التعاون معه. وهو المعنى ذاته الذي أكده منذ أيام تيم غوردون الجمهوري، حين قال إن انتخابات نوفمبر لم تأت بهم لمقاعد الأغلبية «للتعاون مع الرئيس وإنما لوقف أجندته».
ولعل الأدق في التعبير عما سوف يأتي، هو ما فشل الكونغرس المنتهية ولايته في تمريره، لا ما أصدره من قوانين. فمنذ أيام رفض الجمهوريون الموافقة على ميزانية العام المالي الجديد والممتد حتى سبتمبر المقبل. وعدم الموافقة تلك كان معناها أن تغلق الحكومة الفيدرالية أبوابها بعد أيام قليلة، حين ينتهي العمل بميزانية العام الحالي. ولحل تلك المشكلة، تم بدلا من ذلك تمرير اعتمادات تغطي البلاد حتى شهر مارس المقبل فقط. والسبب واضح طبعا، فالجمهوريون يريدون النظر في الميزانية وهم في مقاعد الأغلبية في مجلس النواب، ويمتلكون عددا أكبر من المقاعد في مجلس الشيوخ، وهو ما تحقق لهم فعلا في الكونغرس الذي انتخب في نوفمبر، وسيبدأ عمله في يناير المقبل.
وسيكون الخلاف حول الميزانية، هو المعركة الأكبر على الأرجح بين الرئيس والكونغرس في الشهور المقبلة. فالجمهوريون أعلنوا أنهم ينوون تخفيض الإنفاق في كل بنود الميزانية، وهو ما يرفضه الديمقراطيون، لأنه يعني تقليص الكثير من البرامج الاجتماعية، في وقت يعاني المواطنون أصلا من سوء الأحوال الاقتصادية. ومن المتوقع ألا تقتصر المعركة على الصراع بين الكونغرس والرئيس ولا بين الجمهوريين والديمقراطيين، وإنما قد تمتد لداخل الحزب الديمقراطي نفسه. فقد أعلن بعض الديمقراطيين أنهم على استعداد للوقوف في وجه أوباما، لو انحنى من جديد لرغبات الجمهوريين.
ورغم أن المعركة سوف تكون حول كل بنود الميزانية بلا استثناء، إلا أن الواضح أن إسرائيل ستكون الاستثناء من عدم الاستثناء! بل أكثر من ذلك، فقد بدأ بالفعل مزاد مبايعة إسرائيل، حتى قبل أن تبدأ المعركة. وراح الديمقراطيون والجمهوريون يزايدون على بعضهم البعض، في حب إسرائيل والدفاع عنها.
فالنائبة الجمهورية إليانا روس ليتينين، التي ستتولى رئاسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، كانت قد أدلت بحوار لصحيفة جيروساليم بوست، أكدت فيه على خط حزبها الرامي عموما لتقليص الإنفاق الفيدرالي، الأمر الذي تبعته انتقادات حادة من النائب الديمقراطي هنري واكسمان، الذي اتهم الجمهوريين بأنهم يرسلون «إشارات مثيرة للقلق حول مستقبل المعونات الأميركية لإسرائيل». وما هي إلا ساعات حتى كانت النائبة روس ليتينين ترد بغضب، قائلة إن مثل تلك الاتهامات لا أساس لها من الصحة، وإنها تطلق «لأهداف حزبية سياسية»، وأكدت على أن الدعم العسكري لإسرائيل يمثل «أولوية قصوى للجمهوريين». غير أن روس ليتنين أضافت أن حزبها الذي ينوي تقليص المعونات الخارجية عموما، سوف يستثني إسرائيل. وقد أثار هذا التصريح حفيظة أنصار إسرائيل الديمقراطيين، الذين لا يريدون أن تبدو إسرائيل «حالة خاصة». لكن روس ليتينين ـ في ذلك المزاد المفتوح ـ لم تتورع عن أن تقول صراحة إن إسرائيل بالفعل حالة خاصة! فهي ردت قائلة إن إسرائيل «تختلف فعلا عما عداها من دول» تتلقى مساعدات من أميركا، لأن المساعدات لإسرائيل تمثل «أهمية قصوى لأولويات أميركا الأمنية».
والحقيقة أنه في الكونغرس الجديد، الذي قال عنه لوبي إسرائيل في واشنطن إنه «سيكون الأكثر دعما لإسرائيل على الإطلاق»، لا ينبغي أن نتوقع غير ذلك. فإسرائيل ستكون الاستثناء من القاعدة، سواء كان ذلك بشكل ضمني كما يريد الديمقراطيون، أو عبر التصريح بذلك علنا كما فعلت إليانا روس ليتينين.