لا تكاد الطبقة السياسية الحاكمة تنهي العراق من مخاض عسير حتى تنقله إلى آخر، لا يقل عسراً. كان هنالك مخاض الشروع في الانتخابات، تلاه آخر في بدء فرز وتعداد أصوات الناخبين، وثمة مخاض ثالث لإعادة فرز الأصوات والتأكد من صحة النتيجة المختلَف عليها. ثم جاء مخاض تشكيل الحكومة العسير، المتمخضة أصلاً عن مخاض عسير في تشكيل مجلس النواب. أكثر من تسعة أشهر على مخاض تشكيل الحكومة، ليأتي الإعلان عن حكومة غير مكتملة من حيث العدد، إضافة إلى سوء توزيع الحقائب الوزارية؛ حكومة مضخّمة بوزراء نيابة وآخرين وزراء دولة.
الحكومة وإن أُعلن أنها تركز على المستقلين والمعتدلين من التقنوقراط، إلا أن ذلك بات محض آمال أقرب إلى الخيال، بناء على الوقائع وتجارب السنين السابقة. وكيف لا يكون الأمر غير ذلك؟! فالبلاد والعباد تئن تحت نير وحش المحاصصة الطائفية، الذي يؤدي إلى التجاذبات المزمنة بين الفئات المذهبية والعرقية المتشددة.
سوف يخوض الوزراء، ومعهم النواب، ضد أوضاع داخلية صعبة وخارجية مشوِّشة. داخلياً ينشط سوق الانفصاليين على خلفية اختلافات شكلية في المذاهب والأعراق والأديان، وحتى التوجهات السياسية. التدخلات الخارجية، الإقليمية والدولية، لا تقل خطورةً. هذه تبلغ أشدها وتزداد عمقاً بسبب الفراغ والصدع والفجوات المتزايدة بين مجموعات الشعب العراقي الإثنية. لا تزال الأبواق الإعلامية الداخلية والخارجية تمارس التحريض، المبطَّن والمباشر، على كراهية الغير والانتقام لما جرى فيما مضى من التاريخ البائد.
ستواجه الحكومة المشكَّلة بعجلة وصعوبة، مكتملة كانت أو ناقصة، وضعاً اقتصادياً مزرياً ويزيد استفحالاً. هذا مع تولّي رئيس الوزراء بنفسه عدداً من أعباء المناصب الأمنية والإدارية، إضافةً إلى منصب رئاسة الحكومة. النفط الذي هو المصدر الرئيسي وشبه المطلق لثروة البلاد الاستراتيجية، بيع للشركات الأجنبية مقابل حصص خجولة كعائدات. بعبارة أخرى، فإن مستقبل التنمية والتطوير في البلاد مرهون بنشاط الشركات الاحتكارية؛ هذه لا ترحم ولا ترعى في الآخرين إلاًّ ولا ذمةً.
لا تزال الحكومة المشكَّلة الممثلة لمجلس النواب، وربما الشعب(!) في مرحلة مخاض، وستظل كذلك في مراحل مخاض مبكرة ومتأخرة بأشكال مختلفة. طبيعة تشكيل وتكوين وتركيب وتلوين، وحتى نوايا! الطبقة السياسية، تفرض هكذا تبعات. التيارات السياسية المتطرفة تحاول دسّ أعضائها في الحكومة الجديدة، سعياً وراء ضمان تأثيرات بهذا الاتجاه أو ذاك. هذه ليست في أجندتها وحدة العراق، بالدرجة الأولى على الأقل، لا شعباً ولا أرضاً ولا وطناً للجميع. لا بل تبدو مشبعة بروح التمرد والانفصال والاستقلال عن المركز، ومهما يكلف الثمن. يكاد لا يُستثنى من ذلك أحد من طبقة السياسيين الذين يؤمنون بالتوزيع حسب مبادئ المحاصصة الطائفية سيئة الصيت.
بات على رؤساء وأعضاء مؤسسات الدولة الهامة والكتل السياسية والطوائف، العمل بإخلاص من أجل إنقاذ الأوضاع والبلاد والعباد. هنالك خطوات وبرامج منهجية يجب السير عليها. هذه تكمن في منع أي نشاط سياسي أو إعلامي أو مذهبي، من شأنه أن يغذي فكرة الانفصال والاستقلال عن الدولة أو المركز، بالذات على الحكومة وقف الاستحواذ على أو التفرد بمصير إقليم أو طائفة أو مجموعة إثنية، مهما يكن حجمها أو قوتها الإدارية والعسكرية.
يجب إدخال فكرة الشعب الواحد والوطن والانتماء الحضاري والتاريخي الموحد، إلى مناهج التعليم بكافة مراحله، وتحت راية واحدة موحدة. يرافق ذلك سن قوانين من شأنها أن تساهم في تحقيق الأهداف، بمنع التجاوزات الأخيرة، تحت مختلف الذرائع والمسميات.
فكرة أو مسمّى «العراق الجديد»، لا يعني على الإطلاق التفسخ والانسلاخ من المحيط، والتمرد على الهوية، وتبنّي الفوضى والتمزيق والتشرذم والتشتت والضياع. هذه هي أهداف أعداء العراق من الداخل أو الخارج، أو الاثنين في آن معاً. عدا عن هذا سوف يستمر عسير مخاض جبل «العراق الجديد»، وما ينتج عنه في كل مرة يتمخض.