تنفق دول العالم على التسلح زهاء ‬1،‬4 تريليون دولار سنوياً، وهذا رقم فلكي بالفعل؛ يثير حفيظة العاطفين على أوضاع عشرات ملايين الجياع والمعوزين والمرضى والأميين، الذين لو تحول مسار هذا الإنفاق إليهم لأصبحنا في عالم أكثر إشراقاً.. غير أن ما يدعو للإثارة أكثر، هو أن حجم الأموال التي تتعرض للاختلاس والنهب بسبب فساد الأنظمة والنخب السياسية على الصعيد العالمي، يقدر بنحو ‬1،‬6 تريليون دولار.

منطق العلاقة بين الظواهر يقتضي تبصر الصلة القوية بين الهدر المالي والاقتصادي المنسوب للإنفاق على التسلح والعسكرة، وذاك المتمخض عن الفساد السياسي وغير السياسي. هذا يجعلنا نتوقع وجود معامل ارتباط أو حالة تشبيك بين الظاهرتين، وصولاً إلى الاعتقاد بأن جزءاً من مخصصات التسلح، ولا سيما الموظف منها في النزاعات والحروب الأهلية، يصب في جيوب الفاسدين سياسيا.

ونتوقع أن يكون عكس ذلك صحيحا أيضا.. فالفساد السياسي وتوابعه، ليس بعيدا عن مسببات الاضطراب وإذكاء النزاعات والحروب المفضية إلى مزيد من أكلاف التسلح. هذا يفسر ما تطرحه منظمة الشفافية الدولية في برلين من أنه «لا منطقة في هذا العالم محصنة ضد مخاطر الفساد، في ظل وجود النزاعات المستمرة وما تجلبه من عدم استقرار؛ فالبلدان التي تعاني من بيئة سياسية وأمنية هشة، تأتي في مقدمة الدول التي تقل فيها الشفافية وينتشر الفساد..».

ويبدو أن منظمة الشفافية لا تريد الصدام مع بعض حكومات الدول التي تصفها بالأكثر فسادا في العالم، ولذا فإنها لا تفصح جهرة عن ضلوع هذه الحكومات، أو بالأحرى النخب الحاكمة فيها، في الحروب والنزاعات والاضطرابات التي تهيئ لها بيئة صالحة للفساد، عبر دعاوى توظيف الأموال في مجالات العسكرة، لكن المنظمة توحي بهد المعنى لكل فطن، حين تضع تحقيقاتها البلدان الغارقة في الصراعات والنزاعات (كالصومال والعراق والسودان من البلاد العربية)، على رأس قائمة الدول المصابة بعاهة الفساد.

على أن الفساد الاقتصادي والمالي، لا يتفشى فقط من مدخل تحويل بعض مخصصات التسلح إلى جيوب أمراء الحروب وودائعهم السرية في الخارج، وإنما أيضاً لأن النزاعات والحروب تؤدي إلى تضييق هوامش الشفافية والمحاسبة والمساءلة إلى أبعد الحدود. وهذه بلا ريب بيئة مواتية لأنماط الفساد الأخرى، كالرشوة والمحسوبية واستغلال الوظيفة العامة لإشباع أهواء شخصية.

والحال كذلك، تعد قوى إنتاج السلاح وتسويقه مسؤولة، ليس فقط عن الفساد اللصيق بإبرام صفقات السلاح إلى مناطق النزاعات، وإنما هي بالتداعي مسؤولة بشكل كبير أيضاً عن ديمومة وتغذية بقية أنماط الفساد في هذه المناطق.. إذ إن استمرار النزاعات، يستتبعه استمرار البيئة الحاضنة لهذه الأنماط.

ولقد ألمحت منظمة الشفافية إلى هذا الفهم، حين ذكرت في غير تقرير لها أن «البلدان ذات النزاعات طويلة الأجل، عرضة لتصدع آليات الحكم الرشيد وضعف مؤسسات الدولة، أو انعدامها من الأساس، بما يؤدي إلى خروج الفساد عن السيطرة وشيوع ثقافة الإفلات من العقاب.. علاوة على غياب المؤسسات الرقابية على المستويين البرلماني والإعلامي...».

وفي تقديرنا أن العلاقة الوثيقة بين تجار السلاح من جانب، وأمراء الحروب المحليين من جانب آخر، تبرز الطابع العالمي للفساد وتغلغله في تضاعيف قطاعات تنتمي إلى عالمي الشمال والجنوب. وهناك ملامح أخرى لهذا المشهد العابر لحدود هذه القطاعات، مثل استقبال بيوت مال الشمال وبنوكه للأموال المنهوبة من مجتمعات الجنوب، وحمايتها بزعم سرية حسابات المودعين.

وغالبا ما يجد الفاسدون وأصحاب رؤوس الأموال المشبوهة في الأروقة الاقتصادية للدول المتقدمة، ملاذات آمنة لتبييض أموالهم المسمومة وتوظيفها هناك. كما أن الشركات الكبرى في عالم الشمال، تضطلع بأدوار مباشرة في تعزيز الفساد في دول الجنوب، عبر ما تقدمه من رشى وعمولات لتمرير أشغالها هناك. ومؤخرا أشارت مكاشفات ويكيليكس، إلى مثل هده السلوكيات بالنسبة لبعض الشركات الغربية والصينية في إفريقيا.

هذا غيض من فيض الحقائق الموصولة بدائرة الفساد، التي تؤكد أنها آخذة في التعولم، كونها تتحرك بطلاقة واقتدار في جهات الدنيا الأربع، وتؤشر من ناحية أخرى إلى مدى الصعوبات والتعقيدات المحيطة باجتهادات العاملين على كسرها، ومقاومة تداعياتها اللعينة.