أصبحت معارض الكتب التي تتواصل، مدى العام، من أبرز الأنشطة الثقافية في العالم العربي. ولذا نرى الناشرين ما إن ينتهوا من المشاركة في معرض يقام في هذه العاصمة العربية، حتى ينتقلوا إلى عاصمة أخرى للمشاركة في معرض آخر.

بهذا المعنى فمعارض الكتب تقدّم نماذج ناجحة عن العمل العربي المشترك، شأنها في ذلك شأن المعارض الأخرى. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالذات بالكتاب الذي، وإن تمّ إنتاجه في بلد عربي معين، إنما هو موّجه أصلاً، كونه بالعربية، إلى جميع العرب؟ وهكذا، فالكتاب الذي يصدر في بيروت، مثلاً، يقرأ في موريتانيا وليبيا والسودان، كما يقرأ في صنعاء ودمشق وبغداد..

ويعد معرض بيروت العربي والدولي، الذي عقد دورته الـ‬54 بين ‬3 و‬16 من هذا الشهر ( ديسمبر ‬2010)، والذي ينظمه النادي الثقافي العربي، أقدم المعارض العربية، وربما من أقدمها على الصعيد الدولي. وإذا كانت المعارض تختلف، بحسب خصوصية كل بلد، فإنها ذات سمات مشتركة تتجلى فيها جميعها، ولو تفاوت الأمر أو اختلف بين معرض وآخر. وهذا شأن معرض بيروت، فإنه، كسواه، مناسبة لممارسة أنشطة متعددة الوجوه. فهو يشكّل سوقاً للكتاب، ليس فقط بالمعنى التجاري الصرف، المتعلق ببيع الكتب أو بإجراء العقود والصفقات من جانب المهتمين بتسويقها، وإنما هو، بالإضافة إلى ذلك وقبل ذلك، أشبه بسوق للمعرفة والسلع الرمزية، بقدر ما يشكّل فضاءً فكرياً للتداول بين المعنيين بشأن الكتاب: المؤلف، والناشر، وربما المسؤول السياسي، فضلاً عن القارئ على اختلاف أصنافه ومهنه. إذ الكل يلتقون في ردهاته وأجنحته، لتبادل الرأي حول وضع الكتاب، وحول الوسائل التي تؤدي إلى رفع معدلات القراءة المتدنية في العالم العربي. من هنا أهمية المقهى الذي بات جزءاً لا يتجزأ من المعرض، إذ هو يشكّل مكاناً للقاءات الحية بين المؤلف والقارئ، تجري خلالها أحاديث مفيدة قد تولد إضاءات حول الإصدارات الجديدة أو حول الأعمال القديمة. ومن جهة ثانية، يمثّل المعرض تظاهرة ثقافية، بما يرافقه من الندوات الفكرية التي تعقد، سواء حول الكتب الصادرة حديثاً، أو حول القضايا الفكرية الراهنة. وقد شهد معرض بيروت عدداً من الندوات تفاوتت من حيث أهميتها، أو من حيث استقطابها الحضور. والملاحظ أن الندوات، عموماً، ما عادت تجد من يجتمع ليستمع ويناقش. ربما لأن القضايا استهلكت من فرط التكرار والترداد، أو من جراء الفشل والإحباط.

ثمة حاجة إلى مقاربات جديدة، بعد أن أصبح المثقفون والدعاة وأصحاب المشاريع، يتحدثون عن واقع لا علاقة له بمجريات العالم وسيره، فهم في واد وبقية الناس في وادٍ آخر.

ومن الظواهر التي باتت ملازمة للمعارض، توقيع الكتب من جانب مؤلفيها. ولعّل معرض بيروت هو أكثر المعارض العربية التي يمارس فيها مثل هذا التقليد، الذي تحول إلى طقس اجتماعي ـ ثقافي. ولا شكّ أن مثل هذا الطقس يضفي الحيوية على المعرض، فضلاً عن كونه يحض الكثيرين على القراءة، إذ يستدرج أناساً لم يكونوا يفكرون في ارتياده، لولا أن حملهم على ذلك ما يجمعهم بمؤلف الكتاب من صلات القرابة أو الزمالة أو الصداقة.. ولكن لكل شيء وجهه الآخر. لقد استفحلت هذه الظاهرة، وباتت هاجساً لدى المؤلفين والناشرين، في عملية السباق المحموم على الفوز بالمرتبة الأولى، عندما تنشر اللوائح، بعد انتهاء المعرض، حول الكتب الأكثر مبيعاً في هذا المجال أو ذاك.

هذا الأمر يقتضي من المؤلف أو الناشر أن يقوم بحملة لحشد أكبر عدد من الأصدقاء والزملاء والأقرباء، بحيث لا يعود المهم أن يُقرأ الكتاب، بل أن يتم شراؤه، ولو لم يقرأ. وفي ما يعنيني، فأنا اشتريت عدداً كبيراً من الكتب بتوقيع أصحابها، مجاملةً، لأنني لن أقرأ إلا القليل منها.

أياً يكن، فإن معرض بيروت، الذي بقي ينعقد طوال سنوات الحرب، هو شاهد على حيوية هذه المدينة، التي استمرت، بالرغم من الجيوش والحروب والدويلات والميليشيات المسلحة، تقاوم بصورة سلمية، مدنية، ثقافية، بالكتاب والكلمة والفكرة.

أبقى مع الكتاب، لكي أنتقل من الكلام على أسواق المعرفة، إلى الكلام على مصادر المعرفة.

هناك من يعيب على غيره أنه ينهل معارفه لا من مصادرها في الكتب، بل من الصحف والمجلات اليومية أو الأسبوعية. وهذه التهمة معيبة وفاضحة، بقدر ما تشهد على جهل أصحابها وغفلتهم، خاصةً من يتعاطى منهم الفلسفة. أولاً؛ لأنه ما من فيلسوف لا يمارس، اليوم، الكتابة في الصحف والمجلات، وقد رأى هيغل في زمنه أن قراءة الصحيفة هي بمثابة صلاة يؤديها الفيلسوف كل صباح.

ثانياً؛ لأن الصحف والمجلات الأجنبية، وخاصة الفرنسية، تكاد تتحول إلى مراكز للبحث والإنتاج المعرفي. وأتوقف أولاً، عند جريدة «لوموند» اليومية، التي تُصدر كل شهر أو فصل ملفاً يكرّس لقضية راهنة أو لمسألة حساسة وشائكة. ففي مجال الدين وحده، أصدرت هذه الجريدة، حتى الآن، أكثر من عشرة ملفات تحت اسم «عالم الأديان»، تنطوي على دراسات وتحليلات، موثقة، معمقة، متقنة، يشارك في كتابتها اختصاصيون من مختلف المجالات. هذا ما تفعله أيضاً المجلات الأسبوعية مثل «لوبوان» (جم ذُىَُّ) أو لونوفيل أوبسرفاتور (جم خًُِّّمٌ دقَّمًّْفُّمِّْ)، فكلاهما تخصص، كل فصل، عدداً يكرّس لتناول قضية كالسعادة والحرية، أو مدرسة كالرواقية والماركسية، أو مذهب كالليبرالية والاشتراكية، أو عِلْم كالتحليل النفسي، أو عَلَم من الأعلام كسبينوزا وفرويد ونيتشه، أو دين من الديانات القديمة والحديثة، اللاهوتية والعلمانية.. وفي كل ملف يشارك علماء ومفكرون، يدرسون المسائل بعقل نقدي تحليلي، تركيبي؛ وبلغة حية، نابضة، ميسّرة، موثّقة بالنصوص، بقدر ما هي مفتوحة على الحدث والحياة والعالم.

وبالعودة إلى تجربتي، فأنا أتابع هذه الإصدارات وأُواكب ما تنتجه من الجديد، الغني والخارق، وقد استفدت منها إفادات لا تقدّر بثمن. وهذا لا يعني البتّة أن الواحد منا لم يرجع إلى الأصول والمصادر في متونها. وبالنسبة إلى مهنتي، فأنا درست الفلسفة العربية بقراءة النصوص وشرحها لأكثر من عقدين. وفي ما يخص فلاسفة الغرب، وبالأخص مفكري ما بعد الحداثة، فقد كانت أعمالهم شغلي الشاغل، أقرأها وأشتغل عليها، وأُعيد قراءتها غير مرّة، مسجلاً تعليقاتي على هوامش الصفحات ومساحاتها البيضاء، التي تحولت إلى ما يشبه الخارطة الكتابية. هنا أيضاً من المعيب والمخجل أن يظن غير ذلك، من جراء الداء الذي يتحكم في علاقة الكتّاب بعضهم ببعض، أعني داء البغضاء والعداوة.