من بين أهم التساؤلات المطروحة على ساحة النقاش الدولي فيما خص الأزمة الاقتصادية العالمية، هو ذلك المرتبط بالإنفاق العسكري حول العالم، وكيف أنه يؤثر سلباً على نمو الاقتصاد العالمي وانتهاء الأزمة المالية العالمية.
فقد كان المتوقع أن تخفض الدول من إنفاقها على التسليح، سيما في ظل الأزمة المالية الطاحنة، لكن ما جرى طوال العامين الماضيين 2008 و2009 من إنفاق على التسلح أثبت عكس ذلك.
في تقريرها الصادر أوائل هذا العام عن حالة التسلح والإنفاق العالمي على شراء الأسلحة حول العالم، كانت مفاجأة مؤسسة أبحاث السلام في السويد بالوصول إلى نتيجة فحواها أن الأزمة المالية العالمية، لم يكن لها سوى تأثير طفيف للغاية على السعي للتسلح.
أما عن الرقم الإجمالي للإنفاق على التسلح فبلغ في 2009 نحو 1,5 تريليون دولار، أي أن نصيب الفرد حول العالم منه يبلغ 224 دولاراً، وذلك بزيادة قدرها 6٪ عما كان عليه الحال خلال عام 2008، و49٪ زيادة عن حجم الإنفاق العسكري منذ عام 2000.
ولعل السؤال المطروح من وجهة النظر الاقتصادية: هل كان أصحاب هذا الإنفاق الهائل يأملون في الحصول على مردود سريع اقتصادياً، بجانب مردود القوة والنفوذ اللذين توفرهما الأسلحة ولو ظاهرياً؟
تشير مؤسسة أبحاث السلام في تقريرها إلى أن «معظم الاقتصادات عملت على زيادة الإنفاق العام من أجل مواجهة الركود وتأجيل خفض العجز». وفي الوقت الذي لا يمثل فيه الإنفاق العسكري جانباً كبيراً من حزم التحفيز الاقتصادي، فإنه لم يتم تخفيضه أيضاً بشكل عام.
والمثير في التقرير السويدي أنه يكشف أمام العالم أن لا فرق بين إدارة باراك أوباما وإدارة جورج بوش الصغير، فيما خص الإنفاق على التسلح، وإن كان أوباما قد بعث في بداية إدارته آمالاً بشأن منهج تعددي في السياسة الخارجية الأميركية، أفضل وأقل ميلاً لاستخدام العنف من منهج إدارة بوش.
ولما كانت الولايات المتحدة قاطرة للاقتصاد العالمي، فبديهي أن أي تغيرات تطرأ زيادة أو نقصاناً على موازنات التسلح، يمكن ولا شك أن تؤثر سلباً أو إيجاباً على أنماط الإنفاق على التسلح لدى دول أخرى، ليدخل العالم في دوامة مشابهة للصراع الذي جرى بين واشنطن وموسكو منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والذي من جرائه انهار الاتحاد السوفييتي اقتصادياً قبل أن ينهار سياسياً وجغرافياً.
هل الربط بين الإنفاق العسكري وإشكالية الأمن القومي جوهري لا مناص منه؟ بالطبع، لا. فقد أشارت الدراسة إلى أن الحجة القائلة ان التسلح يستخدم لتأمين الأمن القومي، ليست مقنعة لأن الأمن القومي يمكن تحقيقه بالوسائل غير العسكرية، خاصة وأن مهددات الأمن القومي صار معظمها مرتبطاً بالضغوط الاقتصادية، مثل مشكلات التضخم وتدهور قيمة العملات الوطنية وندرة الموارد، وكذلك في مجال الطاقة والموارد غير المتجددة وتلوث البيئة والتضخم السكاني، ومشكلات الصراعات السياسية والاجتماعية.
أضف إلى ما تقدم أن لجنة خاصة من الأمم المتحدة كانت قد قامت في العام 1981، بإعداد تقرير حول العلاقة بين التسلح والتنمية الاقتصادية، حذر من الآثار السلبية لارتفاع النفقات العسكرية، خاصة في الدول النامية. وأوضح التقرير أن سباق التسلح المحموم بين الدول، أدى إلى ازدياد حجم الموارد المنفقة على التسليح، وفي المقابل انخفاض حجم الموارد المنفقة في الصحة والتعليم والرفاهية الاقتصادية، كما تأثرت مكونات الاستثمار والإنتاجية في القطاعات المدنية، بسبب سوء تخصيص الموارد في ظل سباق التسلح. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن هناك ما لا يقل عن 50 مليون شخص حول العالم، مشغولون بأنشطة عسكرية، من بينهم نحو نصف مليون عالم، ونصف مليون فني ومهندس وخبير، فهؤلاء مشغولون في الواقع بإعمال البحوث العسكرية وتطوير الأسلحة. وتفيد تقارير الأمم المتحدة أن 30٪ من جملة النفقات العالمية في مجال البحوث والتنمية، تصرف في مجال التسلح والأنشطة الخاصة بالمعدات العسكرية.
ويبقى تساؤل؛ هل من جدوى حقيقية للتسلح، اقتصادياً وأدبياً، على الأطراف الساعية حتى الساعة؟
في تقرير استكهولم الأخير نجد علاقة وثيقة بين الإنفاق العسكري وخطط التنمية، إذ يشير إلى أن تخصيص ما نسبته 1٪ من الناتج القومي للإنفاق العسكري، من شأنه أن يؤدي إلى تراجع في النمو بنسبة 0,7٪ كل خمس سنوات، وأن إنتاج غواصة نووية وصناعتها وتجهيزها، يوازي ميزانية التعليم لأكثر من عشرين بلداً في إفريقيا.
ربما يتذكر المرء المقولة الشهيرة للرئيس الأميركي الأشهر الجنرال ايزنهاور، والتي حذر فيها من تجلي المجمع الصناعي العسكري الأميركي في سماوات الحياة الأميركية، ويومها قال أيضاً «إن كل مدفع يصنع، وكل سفينة حربية تدشن، وكل صاروخ يطلق، تمثل سرقة من أولئك الذين يعانون الجوع ولا يطعمون، والذين يعانون البرد ولا يكسون».
ومن عجائب الأرقام في عالم التسلح غير ذي الجدوى، أن خطة عمل الأمم المتحدة لحماية الغابات الاستوائية وتطويرها، يكلف ملياراً ونصف مليار دولار سنوياً، في حين أنفقت في أحد الأعوام الأخيرة 900 مليار دولار في عام واحد، أي بمعدل مليار ونصف المليار في اليوم.. هل نسأل بعدها، لماذا الطبيعة غاضبة وتكاد تنفجر في وجه الإنسان في القرن الحادي والعشرين؟