أعلنت الولايات المتحدة مؤخّرا، نهاية جهودها من أجل الحصول من الدولة العبرية على تجميد جديد لبناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلّة. إنّه إعلان عن الفشل الكامل للسياسة التي انتهجها باراك أوباما منذ وصوله إلى رئاسة الولايات المتحدة، وعن ترك الوضع في طريق مسدود بالكامل كما يبدو.
وإذا كانت إدارة أوباما قد عجزت عن جعل الحكومة الإسرائيلية تمدد تجميد بناء المستوطنات لمدّة ثلاثة أشهر، فكيف سيمكنها التقدّم في الملفات الرئيسية المتعلّقة بوضع القدس ومسألة حدود الدولة الفلسطينية واللاجئين، وبالتأكيد التسوية النهائية لتفكيك المستعمرات الإسرائيلية غير الشرعية كلّها والتي تشكّل خرقا للقانون الدولي؟!
كانت واشنطن قد حاولت خلال الأسابيع المنصرمة إقناع بنيامين نتانياهو بهذا التجميد المؤقت، عبر اتخاذ مبادرات مثل منح إسرائيل 20 طائرة مقاتلة «إف ـ 35»، والالتزام باستخدام الفيتو على جميع القرارات التي يتم اعتبارها ضدها في الأمم المتحدة. لكن بدون نتيجة، إذ تمّ استئناف بناء المستوطنات، واستمرّت الحكومة الإسرائيلية في تشددها مدركة أنها بمنجاة من العقاب، ورافضة السير خطوة واحدة نحو استئناف المفاوضات.
أمّا الفلسطينيون فيترددون كثيرا في ما ينبغي عمله، وقد طالبت أعداد متزايدة منهم، على لسان المفاوض الرئيسي صائب عريقات، بالاعتراف الدولي المباشر بالدولة الفلسطينية دون المرور بمرحلة المفاوضات التي أبدت عدم فاعليتها. وقد أعلنت البرازيل والأرجنتين وبوليفيا ، ومن المفترض بعدهما في مطلع عام 2011 الأوروغواي، إرادة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وربما هناك دول أخرى ستسير في الاتجاه نفسه.
لكن ينبغي عدم الركون إلى الأوهام. فهذا التقدّم الدبلوماسي ستكون له حدوده السياسية، ذلك أنّه لن يغيّر واقعيا الخرائط وموازين القوى في المنطقة. ستكون إسرائيل معزولة أكثر لدى الرأي العام الدولي، لكن لن تكون للدولة الفلسطينية حدود معترف بها، ولن تستطيع تأكيد سيادتها مقابل تل أبيب.
هكذا برز اقتراح آخر يتمثل في قيام السلطة الفلسطينية بحلّ نفسها. الحجّة وراء ذلك هي كون الضفّة الغربية تحت الاحتلال العسكري الذي يقرر كل شيء، بينما لا تملك «السلطة» الفلسطينية أي قرار في الواقع؛ ولذلك ينبغي حلّها ووضع إسرائيل أمام مسؤولياتها وتحمّل أعباء احتلال الأراضي. وهذا ما يرى فيه محمود عباس والمقرّبون منه اعترافا بالفشل. لكن في المقابل، يمكن لذلك أن يعطي من جديد بعض المكانة لقيادة لم تؤدِّ استراتيجيتها لشيء، على مدى سنوات من محاولات التفاوض مع إسرائيل. والقرار المحتمل هو رهان زاخر بالمخاطر.
الحجج المستخدمة متماسكة، لكنها تطرح مشاكل جديّة على البلدان المانحة التي تدعم الأراضي الفلسطينية. أمام عجز الإدارة الأميركية سيجد الأوروبيون أنفسهم، وهم المانحون الرئيسيون عبر تقديم 8 مليارات يورو للفلسطينيين، أمام خيارات معقّدة. ونحن نعرف للأسف، أنه من الصعب الوصول إلى اتفاق عام بين دول الاتحاد الأوروبي الـ27، وبالتالي قد تكون القرارات على مستوى الحد الأدنى.
مع ذلك ينبغي مباركة مبادرة القادة الأوروبيين السابقين الـ26، الذين وجّهوا باسم «مجموعة القادة الأوروبيين السابقين» رسالة إلى هيرمان فان رومبي، رئيس المجلس الأوروبي، وللسيدة كاترين أشتون المسؤولة العليا للشؤون الخارجية الأوروبية، ذكّروا فيها بالقرار الصادر عن مجلس الشؤون الخارجية في شهر ديسمبر/ كانون الأوّل 2009، تحت عنوان «النتائج التي وصل إليها المجلس حول مسيرة السلام في الشرق الأوسط».
ويؤكّد القادة الأوروبيون السابقون، اعتمادا على قرارات الاتحاد الأوروبي، أن استمرار الوضع المسدود الراهن ليس قدرا محتوما. والصراع العربي ـ الإسرائيلي يتفرّد بكون أن أسس حلّه معروفة، وتحتويها القرارات العديدة الصادرة عن منظّمة الأمم المتحدة.
وهم يذكّرون بأن الاتحاد الأوروبي اعتبر باستمرار أن المستوطنات غير شرعية، لكنه لم يفرض أبدا عقوبات على الاستمرار في بنائها. وبالتالي يرون أنه ينبغي الآن التأكيد بوضوح، أنه لن يتم تدعيم اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، طالما لم يتم تجميد الاستيطان. وكذلك ينبغي أن يقترع الاتحاد الأوروبي على بنود تستثني الأراضي المحتلّة من الاتفاقيات الثنائية مع إسرائيل، مثل وقف استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية.
إن القادة الأوروبيين السابقين يدلّون على الطريق، وأنه نظرا لرفض إسرائيل تطبيق القانون الدولي، لم يعد ممكنا الاكتفاء بالتصريحات العامّة، بل لا بد من فرض عقوبات لوضع حد نهائي لمشاعر النجاة من العقاب لدى القادة الإسرائيليين.