شكل الثاني من ديسمبر 1971 لحظة تاريخية ومفصلية حاسمة في تاريخ الإمارات. فما أن برزت الدولة على الساحة العالمية حتى أصبحت محط أنظار الجميع، بفضل تلك التجربة السياسية الناجحة، وبفضل التطور الاقتصادي الهائل الذي حققته، وأيضا نتيجة للانفتاح الديمغرافي الذي جعل من الإمارات مجتمعا استثنائيا في منطقة لا تزال تعتبر محافظة وتقليدية وقبلية. ولكن دولة الإمارات لم تتردد في تبني كل أساسيات الحداثة الاجتماعية، من انفتاح على الآخر وتنبي مقومات مجتمعية جديدة، انطلاقا من حقيقة أن المنطقة كانت ولا تزال نقطة عبور تاريخي بين الشرق والغرب. فلا غرو أن تجذب تجربة الإمارات الأنظار، بوصفها تجربة استثنائية تستحق أن تدرس في الجامعات والمعاهد العلمية، وينظر لها على أنها تجربة استثنائية ويطلق عليها «المدرسة الإماراتية في التنمية».
ولكن، رغم نجاحات التجربة الإماراتية وتفوقها المثير في التصدي للكثير من المعوقات التنموية، إلا أن هناك من يرى أن هذه التجربة لا تزال غير كاملة، وأن هناك جوانب منقوصة بحاجة إلى اهتمام حتى يظهر ويتجلى عمق التجربة. ولا جدال في ذلك، فلا توجد تجربة مثالية، وإنما لكل تجربة جوانب إيجابية وأخرى سلبية. فكيف تم تقييم التجربة الإماراتية؟ وما هي جوانب التنمية غير المتكاملة؟
سياسيا؛ تعد تجربة الإمارات الأنجح عربيا، وقد استطاعت في فترة قياسية تنمية الولاء وبناء الوعي وإنشاء دولة مؤسسات انعكست على جوانب التنمية المجتمعية، فأصبحت الإمارات اليوم أنموذجا سياسيا رائعا. وقد يكون سبب نجاح التجربة الإماراتية هو تلك الرغبة الصادقة في التغلب على المعوقات وتغليب المصلحة الوطنية على الفردية، كما استلهمت الإمارات نجاحها من فشل تجارب وحدوية في الوطن العربي، الأمر الذي أعطى لهذه التجربة زخما وحياة.
اقتصاديا؛ حققت الإمارات قفزة غير مسبوقة في كافة القطاعات. فقد حققت مستوى نمو عالياً انعكس على الفرد، فقفز دخله إلى مستويات قياسية عالمية وفرت له مستوى ونمطا معيشيا متميزا. وقد يكون سبب نجاح الإمارات هو الجرأة في تنفيذ بعض المشاريع الاقتصادية الرائدة، فكل الأفكار كانت خلال سنوات الطفرة والوفرة تبدو ممكنة، بل جديرة بالتنفيذ، وكل المشاريع لها جدوى اقتصادية وأهمية، ليس فقط عالية بل عالمية. لقد استلهمت دولة الإمارات نجاحها الاقتصادي من نماذج النجاح والفشل العالمية، ووضعت نصب عينيها الوصول إلى العالمية من خلال تبني أنموذج خاص بها، قائم على تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على مصدر واحد. وهكذا نجحت تجربة الإمارات الاقتصادية وتخطت الكثير من المعوقات والصعوبات، حتى تلك التي أفرزتها الأزمة العالمية، وأصبحت اليوم أنموذجا يحتذى به على الصعيد العربي والعالمي.
كان من المفترض أن يواكب هذه المتغيرات الإيجابية تكيف مجتمعي، كي تكون عملية البناء التنموى صحيحة وشاملة. ولكن أثبتت المتغيرات أنها ليست بالضرورة متغيرات كاملة، فلم تؤثر كثيرا على وعي الفرد بوضعه المجتمعى الجديد. فلم تخلق، مثلا، نوعا من الحراك السياسي الذى ظل بطيئا نوعا ما، ربما للثقل الذي يمثله الاقتصاد أو ربما للثقل الذي يمثله العنصر الوافد في التركيبة الاجتماعية. فظهر الحال وكأن إنسان هذه المنطقة لا ينتمي للواقع الجديد الذي يعيشه ولا يمثله، وهو الأمر الذي يقلق المراقبين الذين يرون أن عملية التنمية لكي تكون صحية وصحيحة، يجب أن تتكامل جوانبها وتكون شاملة وغير منقوصة. فالحراك الاجتماعي، مثلا، هو تعبير عن وعي الإنسان وسلوكه العملي والفكري والروحي، كما أنه تعبير صادق عن قدرة الإنسان على التأقلم مع الظروف المحيطة به وتطويعها لخدمة أغراضه الحياتية المختلفة.
أما الحراك السياسي فهو مرتبط بتطور الوعي عند الإنسان، ومدى قدرته على تفعيل دوره في الحياة العامة والاستفادة القصوى من مؤسسات الدولة المختلفة. وفي هذا الجانب تتجسد مفاهيم مختلفة؛ كالهوية والانتماء والولاء، وجميع الجوانب الوجدانية الأخرى. لذا فعلى الرغم من أن إنسان هذه المنطقة قد أثبت وعيا كافيا وتقبلا للأفكار الجديدة أكثر بكثير من شعوب مجاورة أخرى، إلا أن وعيه السياسي لم يتطور بالدرجة الكافية التي تتيح له ممارسة دوره في الحياة العامة، أو الاستفادة القصوى مما توفره له المؤسسات العامة أو مؤسسات المجتمع المدني.
لقد كان هذا العجز، إن كان عجزا، في تحقيق ذلك التوافق بين جوانب العملية التنموية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، نقطة نقاش بين كافة أطياف المثقفين، فهناك بالتأكيد آثار سوف تنتج عن هذا الاخفاق. فمثلا، يلاحظ هذا الخلل في ردة فعل الفرد البطيئة، ليس فقط تجاه المواقف الحياتية والمجتمعية المحيطة به، ولكن أيضا تجاه القضايا السياسية العربية والقومية الساخنة. ويفسر البعض هذا الموقف على أنه حرص من إنسان هذه المنطقة على حماية منجزاته الاقتصادية وعدم التضحية بها. وقد ينعكس هذا أيضا على موقف الفرد من القضايا الوطنية والمحلية. فرغم أن موقفه قد يكون أعمق من مواقفه تجاه القضايا الخارجية (حيث يمكن قياس الولاء للاتحاد مثلا)، إلا أنها هي الأخرى تحتاج إلى توجيه يخدم المصالح الوطنية والاتحادية العليا. فاهتمامات المواطن لا تزال مقصورة في تأثير كل قضية وطنية على وضعه الشخصي والمجتمعي الضيق، دون أن يربط ذلك بالمجتمع الكبير الذى يعيش فيه. ويبدو أن هذا الموقف ينسحب أيضا على بعض المؤسسات السياسية العامة.
إن عدم تكامل عملية التنمية المجتمعية له بالتأكيد آثار أخرى، فأول نتاجها هو حالة الوضع المجتمعي غير الصحي، والذي يؤثر على علاقة أفراد المجتمع بعضهم ببعض، وبالتالي على علاقتهم بالمؤسسات العامة. كما يؤدي ذلك الوضع إلى ظهور تلك النزعة الفردية المقيتة، التي تعمل على تفكيك الترابط المجتمعي الذى يعد من أهم مقومات وحدة المجتمع. كما أن قصور عملية التنمية، يؤدي على المدى الطويل إلى الإضرار بمفاهيم مهمة، منها الولاء والانتماء. كما يؤدى ذلك القصور إلى إهمال تنمية الجوانب الوجدانية لدى الأفراد، والتي تلعب دورا مهما في الحفاظ على المكتسبات القومية. لذا فإن أحد أهم مهام المؤسسات العامة، هو التأكد من تكامل جوانب التنمية، حتى لا تسفر عن آثار سلبية تؤثر على المنجزات الاتحادية التي حققتها الإمارات في عقودها السابقة.
إن الإمارات التي استطاعت أن تحافظ على منجزاتها الاقتصادية في بحر متلاطم الأمواج، يجب أن تفخر أيضا بالحفاظ على منجزاتها السياسية والاجتماعية.