يقول المثل: لكل تنازل مقابل. وهو عرف سائد بين البشر. أما أن يكون التنازل بدون مقابل، فهذا قمة التنازل.
نحن في المنطقة قبل وبعد الاتحاد، بل ومنذ قدم تاريخ هذه المنطقة، كانت لنا رغم صغر حجمنا وضعف مواردنا المختلفة ثقافتنا المتميزة والمتفردة، ولم يرض أجداد هذه المنطقة رغم ضعف حيلتهم أن يتنازلوا عن شيء. وإن أجبرتهم الظروف على أن يغضوا الطرف لحين، فإنما لأن حكمتهم تدعوهم إلى عدم المواجهة التي قد تقضي على وجودهم. غير أن سكوتهم شيء، ورضاهم شيء، وتنازلهم أمر آخر. ولكن إذا مس الأمر كيانهم العقائدي أو الثقافي، فهناك يصبح السكوت لديهم أشبه ما يكون بالخيانة العظمى. لقد سكتوا عن الاستعمار البريطاني لأن موازين القوى في ذلك الوقت لم تكن تسمح لهم بالمقاومة. وفي مناسبات أخرى سابقة كانت قدراتهم تسمح بمثل ذلك، فأزعجوا التواجد البرتغالي والإسباني والبريطاني وغيره. وكانت لهم حيلهم وأساليبهم في رد الغزو الثقافي الذي هجم عليهم من أقاصي الدنيا، فهم يعلمون خير العلم أن خسارة الأرض يمكن استردادها. أما خسارة العقيدة والمبادئ، فستتبعها خسارة كل شيء، ومنها خسارة الأرض والحكم والزعامة.
لكل شعب من شعوب العالم، في آسيا أو إفريقيا أو أوروبا، وحتى في أدغال أستراليا، له اعتزازه بالأرض، ليس لكونها مساحة محددة على سطح الكرة الأرضية فسحب، وإنما تمثل مساحة عليها مجموعة من البشر تجمعهم قيم محددة لا بد من الدفاع عنها لإيمانهم الراسخ بها. وإذا سمح بعض الدول، ومن بينها أكثر دول العالم ديمقراطية، بتواجد عقائد وديانات وقيم أخرى على مساحتها الجغرافية الواسعة تلك، ولا تشكل طرفا في كيانها، فإنما تسمح له في حدود يتم التحكم فيها، وأقرب مثل على ذلك الجمهورية الفرنسية. فما أن شعر المجتمع الفرنسي، رغم أنه مجتمع علماني، بتعاظم تواجد الدين الإسلامي على أرضه كمنافس للتواجد المسيحي الذي ينتمي إليه منذ قدم التاريخ، حتى بدأت القوانين تسن وتشرّع لتحجيم هذا المنافس المقلق في خروجه عن الحدود التي رسمت له. وإذا بهذه الدولة الديمقراطية العلمانية، تفرض على المسلمين وتواجدهم وإقامتهم شروطا لم تكن موضع نقاش قبل عشرين عاما. وقس على ذلك دولا علمانية وديمقراطية أخرى، صغيرة كانت أو كبيرة.
والدليل على ذلك، أنه رغم حجم التواجد الإسلامي في أوروبا، إذ يعتبر ثاني عقيدة بعد المسيحية، ورغم عدد المسلمين الهائل في العالم برمته، إلا أننا لم نسمع قط باهتمام أي دولة من دول العالم بالاحتفال أو الاحتفاء أو حتى ذكر هذه المناسبة. فمناسباتنا عديدة، وربما أهمها السنة الهجرية التي تمثل انطلاقة الإسلام قبل 1432 سنة، من حيز مربع بيت الله في مكة المكرمة، إلى العالم كله شرقا وغربا، تنيره بمبادئها السمحة وتعاليمها العليا. وهناك عيدا الفطر والحج، وميلاد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، ومناسبة الإسراء والمعراج، وليلة القدر.. وغيرها كثير. ونعجب أن لا يعير العالم أي اهتمام بنا ولا بمناسباتنا الدينية، وكأننا غير موجودين! وكثير على رئيس البيت الأبيض أن يدعو سنويا مجموعة من المسلمين في قصره المشيد، إلى تناول طعام الإفطار، وهو اهتمام سياسي واحتوائي، قبل أن يكون فكريا وثقافيا وتضامنيا مع ثاني أعظم عقيدة في العالم بعد المسيحية، بل هي في تزايد مستمر.
هكذا يعتزون بأنفسهم وبعقائدهم ودياناتهم، رغم معرفتهم الجيدة بعظم الدين الإسلامي وقوته وتاريخه وحضارته التي بنوا عليها تاريخهم وقوتهم وحضارتهم المعاصرة. فهم أولى بأن يحتفلوا بنا ويقدموا لنا كل أشكال التبجيل والتقدير، لأن شمس الإسلام قد أنارت ظلمتهم قبل قرون طويلة، ونقلت لهم علوم الشرق والغرب، من رقم الصفر إلى عوالم الفلك البعيدة. وهم يقرون بذلك، إلا أنهم لم يعودوا يعيروننا أي اهتمام. ترى ما هو السبب؟
سؤال مر وعقيم، والإجابة واضحة وضوح الشمس. فنحن تنازلنا لهم عن كل شيء دون مقابل، وهم أخذوا كل شيء دون استحياء. ولا أحد يعرف بعد كيف استطاع أجداد هذه المنطقة وآباؤها وبإمكانياتهم المحدودة، أن لا يتنازلوا، وكيف صمدوا للمد والغزو الثقافي والعقائدي الخارجي، ولم نستطع نحن رغم إمكانياتنا غير المحدودة الصمود لأكثر من دقيقة واحدة!
نحن لسنا ضد أن يحتفل بميلاد الأنبياء والتحلي بأخلاقهم والسير على طريقهم، ولكن ليس بالأسلوب الذي يظهر عندنا، والذي يبدو أنه يمثل شكلا من أشكال تقديم الولاء والطاعة العمياء، لشعوب لم يعد يعنيها منا سوى ملء جيوبها من خيراتنا والرحيل عنا متى شعروا بالتخمة.
لماذا لا يقيم مسيحيو العالم للمسلمين شجرة (بل غصنا واحدا) على غرار شجرة الميلاد التي رصعت بالألماس والذهب، والتي يقال إنها كلفت 11 مليون دولار كانت تكفي لزراعة آلاف الفدادين من القمح والرز في دول يموت أطفالها يوميا من الجوع و العطش والمرض؟
لقد تنازلنا عن لغتنا لصالح لغتهم، وعن ثقافتنا لخاطر عيون ثقافتهم، وعن تعليمنا لنصبح أثرا بعد عين.. ونرجو ألا يصل الأمر إلى ما هو أخطر بكثير مما سبق.. التنازل عن مبادئنا مقابل ضياع أبنائنا..
وكل بابا نويل وانتم بخير!