حين استفحلت الدعوة الإسلامية في مكة وأصبحت خطراً على زعامات قريش التقليدية، وبعد أن فشلت شتى المغريات التي قدمتها هذه الزعامات، في ثني الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عن دعوته، قررت التخلص منه. إلا أن طبيعة المجتمع المكي المستقر والهادئ في ظل سيادة التقاليد القبلية، جعلت هؤلاء يفكرون بعواقب ذلك. فمقتل الرسول لن يمر مرور الكرام، إذ سرعان ما يتداعى بنو هاشم مطالبين بالثأر من قتلته، وسيؤدي ذلك دون شك إلى أن تفقد قريش وحدتها وقوتها، ومن ثم أهميتها بين القبائل. كان المخرج من هذا المأزق هو الاقتراح الشيطاني الذي قدمه عمرو بن هشام (أبو جهل)، وهو أن تقوم كل قبيلة بتكليف أحد رجالها ليسهم مع آخرين من جميع القبائل المكية، ويضربوا الرسول ضربة رجل واحد فيضيع دمه بين القبائل، وعند ذاك لن تحدث فتنة.

أسوق هذا الحدث من التاريخ الإسلامي، وأنا أتابع على مدى الأشهر التسعة المنصرمة منذ الانتخابات النيابية الأخيرة في العراق، تقلب الشعارات وتأرجح المواقف للكتل السياسية الفائزة، حول من يترأس الحكومة المقبلة، وأرصد تباين الطروحات والتحديات والاتهامات والمزايدات، لأجد في النهاية أن سفن الجميع قد رست، في الحادي والعشرين من ديسمبر الجاري، على شاطئ المغانم؛ حكومة الشراكة الوطنية.

حكومة الشراكة الوطنية قد تضلل الكثيرين ممن يحملون النوايا الحسنة، فهي حكومة ترتدي حلة الديمقراطية، حكومة تستوعب الجميع في خيمتها ولا تحرم كتلة فائزة من مغانم العملية السياسية، سيجلس الجميع تحت قبة مجلس الوزراء كما يجلسون تحت قبة المجلس النيابي، وكأن الخلافات والتقاطعات الحادة التي شهدتها الساحة السياسية العراقية على مدى الأشهر التسعة المرة المنصرمة، قد تبخرت فجأة بقدرة قادر!

هناك خلل كبير يكمن خلف التوجه نحو التوافق حول حكومة الشراكة الوطنية، فلن تكون هناك أصوات معارضة تتسقط الأخطاء، وتلزم الحكومة بأن تراقب نفسها قبل أن تقع فريسة بين أنياب معارضتها. لا يرغب أحد من الكتل الفائزة أن يكون في موقع المعارضة والنقد، والحقيقة أن في هذا لبسا كبيرا، فخيار الدخول في حكومة الشراكة الوطنية لكتلة معينة، هو خيار التخلي عن البرنامج الانتخابي الذي أهلها للحصول على أصوات الناخبين ودفعها إلى المجلس النيابي. أما خيار المعارضة والنقد، رغم ما فيه من حرمان من التمتع بالنفوذ والحصول على المغانم، فهو خيار الأكثر مبدئية والأكثر حرصاً على التمسك ببرنامجه الانتخابي، وخيار الصوت الأكثر قدرة على الدفاع عن مصالح الجمهور وتحريك عواطفه.

المعارضة خيار اللا أحد، سيكون الجميع شركاء في أخطاء حكومة الشراكة الوطنية وإخفاقاتها، ولن يدفع أحد ثمناً لخطأ أو تقصير أو إهمال أو تجاوز على المال العام. سيجد الجميع مكاناً في شماعة هذه الحكومة لتعليق أخطائه، بل إخفاقاته وربما تجاوزاته عليها. من هنا نقول ضاعت حقوق العراق بين الكتل السياسية التي توافقت على الإجهاز على مبدأ المعارضة، فتجربة الأربع سنوات المنصرمة تحت ظلال حكومة الوحدة الوطنية ليست مشجعة لتكرارها، فقد كانت الوحدة الوطنية غطاء لأكبر عمليات التقصير والإهمال والفساد.

الديمقراطية وسيلة فعالة لبناء المجتمع والأخذ بيده في طريق الأمان، وهي لن تكون كذلك إلا حين تتوافر بيئة تساعد على تطبيقها منهجاً وممارسة.

فالمنهج الديمقراطي هو الوحيد الذي يسمح باختيار المسار الصحيح، ويعمل على توفير الآليات لتقويمه عن طريق كشف الأخطاء ومحاسبة المقصرين، سواء تحت قبة المجلس النيابي أو في ما يمتلكه الإعلام من وسائل إيصال الحقيقة للجمهور الواسع. وهذا لا يتحقق دون وجود المعارضة في العملية السياسية، التي تقوم في بعض الأحيان بتشكيل حكومة ظل تضع برامج وآليات للمقارنة مع برامج الحكومة، لتقدم خيارات أخرى أمام المواطن.

والحقيقة أن تقاليد كهذه لم تنشأ اعتباطاً، بل نمت وتطورت وتكاملت عبر اختبارات متعددة على أمد طويل، واستطاعت أن تفرض نفسها بقوة على الحياة السياسية في العديد من دول العالم المتقدمة. فالتقاليد الديمقراطية الحقيقية لا تستبعد أحداً من العملية السياسية، فالكل يشارك فيها، ولكن من مواقع مختلفة، فهي ليست شراكة في اقتسام الغنائم وإنما شراكة في اقتسام المسؤوليات.

في هذا السياق فإن التوجه نحو حكومة الشراكة الوطنية، إن لم يكن محاولة متعمدة للالتفاف على النهج الديمقراطي، يصبح إقرارا بعدم القدرة على الارتقاء إلى مستوى الممارسات الديمقراطية من جهة، وتهرباً من استحقاقاتها من جهة أخرى.

حكومة الشراكة الوطنية ليست حكومة وضع طبيعي، بل هي شديدة القرب إلى حكومة طوارئ يُسقط الفرقاء فيها خلافاتهم ليتراصوا في مواجهة أزمة قادمة أو خطر محدق، كما حدث في الماضي لدى دول عديدة إبان مواجهة أزمات شديدة أو الدخول في حروب مع دول أخرى. ولكن العراق لا يواجه أزمة محددة، ولا يخوض حرباً، ولا يتوقع إندلاع هكذا حرب مع دولة أخرى في وقت قريب، فبضعة تفجيرات إرهابية تجري هنا أو هناك، لا تمثل تهديداً لأمن البلد ولا تستوجب الالتفاف على المنهج الديمقراطي ومحاصرته والإتيان بحكومة غير متجانسة، إن اتفق أعضاؤها على برنامج عمل فضفاض، يختلفون حول آليات تنفيذه. حكومة الشراكة الوطنية أو الوحدة الوطنية، هي الخيار الأفضل للقيادات العرقية والطائفية، وليس للعراق، فتكريس هذا النهج على مدى السنوات الأربع المقبلة، سيعمق نهج المحاصصة ليتحول إلى أحد تقاليد اللعبة السياسية في العراق.

المتوقع في ظلال حكومة الشراكة الوطنية، هو أن يتراجع الدور الأساسي للمجلس النيابي، وهو الرقابة على السلطة التنفيذية، تراجعاً كبيراً، فالكتل السياسية الصغيرة التي لم تكسب شيئاً من كعكة الشراكة الوطنية، ستكون مشلولة اليد وعاجزة عن القيام بفعل مؤثر، فهي لن تستطيع أن تجمع من الأصوات ما يمكنها من استدعاء أي مسؤول في الدولة لمساءلته ومحاسبته في المجلس.

في ضوء ظروف كهذه يصبح دور الإعلام حاسماً، لكونه الوسيلة الوحيدة التي تسمح للمواطنيين أنفسهم بأن يكونوا رقباء على السلطة التنفيذية. وهنا يجد الإعلام الحر المستقل نفسه أمام فرصة تاريخية نادرة، ليكتسب عن حق المسمى الكبير «السلطة الرابعة».