من الصعب تصور أن ما قام به موقع «ويكيليكس» مجرد مغامرة من شخص أو أشخاص يسعون إلى الشهرة، أو حتى إلى الحصول على المال، خاصة وأنهم لم يدخلوا في عمليات مساومة أو ابتزاز لجهات معينة، بل بادروا من تلقاء أنفسهم إلى نشر عشرات الآلاف من الوثائق تباعاً، وهذا في حد ذاته يعني أن ليست الشهرة ولا المال هي الدافع وراء نشر هذه الوثائق. ولكن لماذا النشر؟ ولماذا هذه الوثائق بالتحديد؟
معظم الوثائق التي تم نشرها، وربما جميعها، تمس شخصيات مسؤولة في حكومات دول، وقلما نجد بينها وثائق تمس جهات غير حكومية، كجماعات أو تنظيمات أو منظمات أو مؤسسات اقتصادية أو مالية من هذه المؤسسات التي كثرت فضائحها ومشكلاتها خلال العامين الماضيين، وهذا الأمر يكشف لنا بعض الشيء جزءاً من الهدف من نشر هذه الوثائق، وهو أنه يستهدف الأنظمة الرسمية في الدول، ولكن ماذا يريد «ويكيليكس» والقائمون عليه من استهداف الأنظمة الحكومية الرسمية في الدول؟
على ما يبدو فإن هناك جهات مهمة تقف وراء موقع «ويكيليكس» الفضائحي. إن تحليل ما ينشره الموقع يقدم أساساً للاعتقاد بأن طرفاً ما قام تحت إشراف قيادة ذكية ومرهفة الحس تعمل بدقة متناهية، بترتيب وتصنيف هذه المعلومات حسب مهام وأهداف معينة، وإذا تمعن المرء في طابع المعلومات التي أميط اللثام عنها، سيلاحظ اتجاهات واضحة ومحددة، عندما يستهدف كماً كبيراً من الدول لا تربط بينها عوامل مشتركة كأيديولوجيات أو مصالح أو استراتيجيات مشتركة، فإن الأمر يعني أن الجهة التي تقوم بهذا العمل تشعر في ذاتها بأنها أكبر من هذه الدول نفوذاً وأكثر منها اهتمامات ومصالح، مما قد يعني أن العملية التي نفذت من خلال موقع «ويكيليكس»، هي محاولة من قبل جهات عالمية أو محافل عابرة للقوميات، وبالدرجة الأولى شركات مالية دولية تسعى للحط من شأن ودور الدولة في النظام العالمي القائم، وتسطيح مكانتها إلى حد جعلها تحت السيطرة التامة، فكيف يمكن تحقيق هذا الهدف؟
لقد بينت لنا العملية الكبيرة التي قام بها موقع «ويكيليكس» أنه للعمل على تشويه سمعة النخب، والحاكمة منها في المقام الأول، ليس ثمة أسلوب أكثر فعالية من أسلوب التشهير، وهناك قوى تسمح لنفسها بألا تقيم وزناً حتى للولايات المتحدة الأميركية نفسها، ونجد على رأس قائمة المتصدرين في عالم اليوم ما يسمى المحافل العابرة للقوميات، التي تسيطر كحد أدنى على 80٪ من الموارد المالية العالمية، وتتعطش إلى التحكم في العالم أجمع.
إن الولايات المتحدة الأميركية اليوم دولة خاضعة كغيرها من الدول، مع فارق يتلخص في السماح للأميركيين باختيار رئيسهم، والقيام بأعمال ما حسب رغباتهم، أما النظام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي فيفرض سيطرته على الدولة الأميركية منذ أمد بعيد. إن تصرف «ويكيليكس» جزء لا يتجزأ من عملية جيوسياسية عولمية، ينجم عنها انتقال مركز القوة من الدول إلى الشركات العابرة للقوميات، وعلى ما يبدو فإن هذه العملية لن تنتهي بما قام بها موقع «ويكيليكس»، على الرغم من أن دور الدولة قد تضاءل كثيراً.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي، كان يرى وهو على رأس المنظمة الأممية أن الدول المستقلة اختفت من العالم تقريباً، وأن جميع دول العالم أصبحت مع العولمة وتقنيات الاتصالات الحديثة منقوصة السيادة بشكل أو آخر.
إن من يتعرضون لحملات التشهير اليوم (وهم ليسوا أبسط الناس في أوروبا وآسيا) سيتصرفون بحذر، وسيتجنبون الخطوات والتصريحات الحادة، وهؤلاء يدركون بالتأكيد أنهم باتوا في تبعية، ليس لمجرد موقع الكتروني، وإنما لبنية أشد جبروتاً بكثير، وعلى مرأى من الجميع يتصاعد الصدام بين الدول، وبين الحضارات، سواء بسواء، ووراء هذه العملية تقف جهة مالية عابرة للقوميات، تضم حسب بعض التقديرات 16 مركزاً مالياً عالمياً وأكثر من ألف بنك متعدد الجنسيات؛ وتحت تصرفها طاقات تحليلية جبارة، تتنبأ باتجاهات تطور الأحداث، وفي الوقت نفسه لا تزدري أساليب التشهير العادية.
أما البديل عن هيمنة المحافل المالية العابرة للقوميات، فهو المتحدات الاجتماعية ـ السياسية الجديدة. ونلاحظ اليوم أن أوروبا تحاول التصدي للمحافل المذكورة عبر إقامة دولة موحدة، ونرى كيف تكاتفت الصين والهند رداً على تلك التحديات، وما تؤدي إليه العمليات الجارية ما بين الحضارات من قيام بنى جديدة، كمنظمة شانغهاي للتعاون، أو مجموعة دول بريك (البرازيل وروسيا والهند والصين)، ناهيك عن المشاريع الرامية إلى توحيد العالم العربي أو العالم الإسلامي. المهمة الآن تتلخص في منع تعزيز قوة المنافس الرئيسي، الذي قد يتمكن بمرور الوقت من تدمير النظام العالمي الحالي. إن العالم ينتقل إلى نمط جديد يتسم بالمواجهة بين الحضارات الاثنو ـ ثقافية التقليدية، والجهات المالية العابرة للقوميات، بحيث تغدو مكونات هذين الفريقين هي العناصر الفاعلة في المجريات العالمية، وهذا يعني نظاماً عالمياً جديداً لن تلعب فيه الدول أدوارها السابقة. وبالنسبة لروسيا، ولكي لا تزول كدولة، من المهم جداً إحياء وتعزيز جوهرها الحضاري، أما «الغسيل القذر» الذي نشرته «ويكيليكس»، فهو محاولة لزرع الشقاق بين الدول ومنعها من التكاتف.