للمرة الثانية وخلال أسبوع، عاد الدكتور أحمد الخطيب، السياسي الكويتي المخضرم، وأحد الذين ساهموا في صياغة وإقرار دستور الكويت، عاد ليتصدر بمقالة رئيسية على صدر الصفحة الأولى لجريدة القبس (15/12)، وهي جريدة مهمة تعكس بشكل أو بآخر توجهات قيادات غرفة تجارة وصناعة الكويت، تلك المؤسسة العريقة التي ينتسب إليها كبار التجار من العائلات المُؤَسِّسَة، الذين جاء دستور العام 1962 ليكون ثمرة تتوج مطالباتهم بالمشاركة السياسية التي امتدت إلى نصف قرن.
ولأول مرة يعتبر الدكتور الخطيب «رئاسة مجلس الأمة» جزءاً من المشكلة المستفحلة التي تمر بها الديمقراطية الكويتية منذ مدة. «أقولها بكل صراحة ومحبة ـ كتب الخطيب ـ أن معظم رؤساء المجالس كان لهم دور كبير في عدم ضبط الأمور داخل المجلس، فلائحة المجلس تعطي الحق لرئيس المجلس بأن يمنع كل ما يمس كرامة الناس، أعضاءً ومواطنين. وهناك عقوبات صارمة يمكن أن يلجأ إليها بموافقة». ثم يتساءل: «رئاسة السلطة التشريعية من أخطر وأهم المناصب في الدولة، وهذه السلطة هي التي تسن القوانين وتحاسب الحكومة على التجاوزات، فكيف تسمح لنفسها بانتشار الفساد في أروقتها»؟!
ومن الصدف الغريبة أن مقالة الدكتور الخطيب قد تصدرت الصفحة الأولى إلى جانب صورة للجلسة التي انعقدت في اليوم السابق لمجلس الأمة (جلسة الثلاثاء 14/12)، يظهر فيها بعض الأعضاء وهم في حالة من المشادات الكلامية العنيفة كادت أن تصل إلى اشتباكات بالأيدي. والصورة تعكس حالة التوتر التي تسود في قاعة الشيخ عبد الله السالم، وهي قاعة التداول لمجلس الأمة، حيث شهدت تلك الجلسة تلاسناً بين أكثر من نائب ومحاولات للتشابك بالأيدي، الأمر الذي أدى برئيس المجلس جاسم الخرافي لرفع الجلسة ساعة كاملة! وهو مشهد جديد، كان غريباً على الحياة النيابية في عقودها الثلاثة الأولى، وظهر في العقد الرابع بحالات نادرة، ثم بات يتكرر في الآونة الأخيرة بشكل ملفت.
وفي الأسبوع الماضي، تقدم ثلاثة من نواب المجلس من تكتلات سياسية مختلفة، باستجواب لرئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد، على خلفية ما جرى في ديوانية النائب جمعان الحربش من احتكاك بين القوات الخاصة الكويتية وبعض المواطنين المتواجدين خارج الديوانية. وحدد يوم الثامن والعشرين من الشهر الجاري موعداً له، وسيتم في جلسة سرية. وسيكون هذا الاستجواب الثامن في هذا المجلس (المنتخب في 2009)، والثامن أيضاً المقدم ضد رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد منذ توليه هذا المنصب، والعشرين المقدم ضد وزراء من الأسرة الحاكمة منذ العمل بالدستور قرابة نصف قرن تقريباً.
ولا شك أنه يصعب التكهن بنتائج ذلك الاستجواب، فالحكومة ـ ومنذ مدة ـ غدت تمتلك أغلبية في المجلس، علاوة على أن هذا الاستجواب إنما هو أكثر خطورة وتحدياً من تلك الاستجوابات التي سبقت وقدمت للمحمد، والذي صعد بموجب أحدها المنصة في ديسمبر من العام الماضي. فالنواب الثلاثة يمثلون ثلاثة تيارات مهمة هي؛ التكتل الشعبي، ذو الطرح الشعبوي، والذي يمتلك قاعدة انتخابية عريضة، وتيار الإخوان المسلمين، بانتشاره الواسع في الوسط الطلابي والجمعيات والنقابات، ثم التيار الليبرالي (المنبر والتحالف الديمقراطي). غير أنه لا أحد يذهب إلى أن الاستجواب سينتهي بطرح الثقة، ولن يكون من الحكمة أن تلجأ القوى السياسية إلى ذلك الخيار، وعلى وجه الخصوص التيار الليبرالي.
أما الخطورة الأكبر، فهي أن هذا الاستجواب سيكون مريحاً بالنسبة لرئيس الوزراء، إذ سيكون رده، كما صرح علناً أكثر من مرة وأيضاً صرح بنفس المضمون وزير الداخلية، أنه كان ينفذ أوامر رأس النظام وهو صاحب السمو أمير دولة الكويت، خاصة وأن صاحب السمو هو من أكد لرؤساء الصحف ذلك في لقائه معهم الأسبوع الفائت، معلناً أنه «قائد للقوات» كافة. فهل سيدخل المستجوبون الذين يمثلون تكتلات مختلفة الأيديولوجيا والرؤى، في صراع صريح مع الأمير؟ وهل من الحكمة والواقعية السياسية الدفع في هذا الاتجاه؟ وهل حسب المستجوبون عواقب قراراهم هذا؟!
أغلب الظن أن سلطان العقل سيسود، والواقعية السياسية ستجبر النواب الثلاثة ومن ورائهم من تكتلات، إلى التمعن في خطورة الوصول إلى مرحلة طرح الثقة، والاكتفاء بالمناقشة وإبداء الرأي والنقد واللوم وما إلى ذلك، إذ يكفي الكويت ما مرت به من أزمات خلال الأعوام المنصرمة، فلا يعقل أن الكويت لا تستطيع العيش مع الديمقراطية، وهي حتماً لا تستطيع العيش من دونها، كما علمتنا التجارب المريرة!
وعليه، فلا بد أن تتضافر جهود الحكومة والمجلس لإيجاد صيغة للتكامل، بدلاً من التناحر الذي نراه، فتلتزم الحكومة بتحسين أدائها وبمحاربة الفساد وتطوير الشفافية والمحاسبة، ويلتزم النواب بــ «ميثاق شرف» يتعهدون بموجبه بتحريم إثارة الصراعات القبلية والطائفية والدينية من أجل التكسب السياسي، والتحلي بروح الأخوة في تعاملهم مع بعضهم البعض، وإن اختلفت مشاربهم الفكرية ومصالحهم الانتخابية.. فاختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
كاتب وأكاديمي كويتي