تراوح الأزمة في لبنان مكانها، وتمر الأيام من غير الوصول بعد إلى الخواتم السعيدة في ما يتصل بالمساعي السورية ـ السعودية التي عاد الرئيس السوري بشار الأسد، ومعه سفيرا سوريا والسعودية في لبنان، يعلنون أنها لا تشكل «مبادرة» بالمعنى المتكامل، بل هي مجرد مساع «لمساعدة اللبنانيين على الوصول إلى حل توافقي داخلي، لن يكون إلا ثمرة اتفاق لبناني». اما الموقف الفرنسي فقد اتضح مجدداً بعد زيارة الرئيس الأسد إلى باريس، أنه لا يتجاوز مستوى «دعم» المشاورات السورية ـ السعودية واحتضانها دوليا، دون أن ترقى إلى مستوى «المبادرة المستقلة».
كل شيء مجمد، فالسلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء عقدت آخر اجتماع مثمر في 10 نوفمبر الماضي، ومن ذلك التاريخ تؤجل جلسات مجلس الوزراء بسبب اصطدامها بعقدة «شهود الزور» بين إصرار قوى 8 آذار على إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وإصرار قوى 14 آذار على إحالته إلى القضاء العدلي. ومجلس الوزراء لا يعمد إلى التصويت بين القوتين الأساسيتين، خشية انفراط عقد المجلس واضطرار الرئيس ميشال سليمان «الوسطي» بامتياز، ووزراء النائب وليد جنبلاط إلى التصويت، بما يعنيه ذلك من انحياز إلى إحدى الكتلتين وترجيح موقف إحداهما.
مجلس النواب بدوره لا يجتمع، كيلا يحدث الصدام نفسه بين النواب، فتنهار السلطة التشريعية.
هيئة الحوار التي أريد لها أن تكون اجتماعا لـ «الحكماء» الذين يمثلون القوى الرئيسية والطائفية، مجمدة هي الأخرى بسبب إصرار قوى 8 آذار على طرح موضوع شهود الزور.
ومجلس الوزراء المشلول يتراكم على طاولته 350 بنداً مرجأ، تتصل بالأزمات المعيشية والاجتماعية، كما تتصل بالتعيينات الإدارية في جهاز قوى الأمن الداخلي، بعد إحالة رئيس الجهاز إلى التقاعد، وفي جهاز حاكمية مصرف لبنان للسبب عينه.
الأمر الوحيد المتفق عليه، بقرار خارجي أساساً، هو التأكيد على رفض الفتنة المذهبية، وعدم الاحتكام إلى السلاح لحل النزاعات السياسية الداخلية.
وإلى ذلك يضاف أن المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تدخل في إجازة عيدي الميلاد المجيد ورأس السنة الميلادية، فتقفل أبوابها إلى 10 ديسمبر، مما يجعل صدور القرار الظني حول الاغتيال مرجأ هو الآخر، وسيطول هذا الإرجاء لأن رئيس المحكمة يملك صلاحية النظر المطول (بين 6 و10 أسابيع) في مضمون القرار الاتهامي، قبل إجازة نشره وتحديد موعد لبدء المحاكمة، الأمر الذي يعني أن المحكمة لن تباشر أعمالها قبل مارس من السنة الجديدة.
فما هو سبب المراوحة القاتلة التي تزيد اللبنانيين قلقاً واستشعاراً للخطر؟
مصادر وزارية مطلعة ترسم الصورة الآتية لتشابك العناصر والملفات، التي تنعكس على الحل اللبناني، فتقول إن هذه الملفات متشابكة ومترابطة كأنها لعبة «الدومينو»، إن تعطلت على مسار انعكس الأمر على سائر الملفات، واللاعبون (السعودية، إيران، سوريا، تركيا)، فضلاً عن اللاعب الأميركي الرئيس، هم أنفسهم في كل ملف من الملفات.
فالتسوية الأولية لتقاسم السلطة في العراق التي لا تزال هشة، ما كانت لتحصل أساساً من دون اتفاق أميركي ـ إيراني، ودعم تركي وموافقة على مضض من السعودية، كان مقابلها أن وافق «حزب الله» في مرحلة ماضية، على التهدئة وانتظار التسوية، وذلك بدفع من إيران. لكن الاتفاق الإيراني الأميركي في العراق لم يكن نهائياً ولا شاملاً، إنما هو تبادل «مصالح أمنية» لدى الطرفين، بفعل الحاجة الأميركية لانسحاب هادئ من العراق، وبفعل الضغوط الأميركية والدولية على إيران، وآخرها العقوبات الاقتصادية شديدة الفعالية على إيران، وحاجتها إلى الحوار مع الغرب من جهة أخرى.
وتضيف هذه المصادر أن التفاهم الأميركي ـ الإيراني على تقاسم السلطة في العراق، سبقته مبادلات ثقة على الخط الإيراني ـ الأميركي والإيراني ـ الفرنسي، دل عليها إطلاق رهائن ودبلوماسيين وصحافيين من الدول التي دخلت في حوار مع إيران.
كما أن هذا التفاهم الأميركي ـ الإيراني ما كان ليحصل لو استمرت روسيا في دعم إيران، حيث إن موسكو ألغت صفقة الصواريخ الاستراتيجية «اس 300» وانكفأت عن بدء تشغيل مفاعل بوشهر الإيراني، مقابل تعديل شبكة الدرع الصاروخية الأميركية التي كانت موجهة نحو روسيا، وتخلي أميركا عن دعم استقلال جورجيا، كما تمت حماية المصالح الروسية في أفغانستان. كل ذلك أدى إلى تراجع الدعم الروسي لإيران، الأمر الذي عبر عنه الرئيس الإيراني محمد أحمدي نجاد في قوله «إن روسيا باعت إيران إلى أميركا».
إلى ذلك يضاف تعثر المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وتراجع الثقة في الضغط الأميركي على إسرائيل، مما أدى إلى تقارب إيراني ـ سعودي جرى التعبير عنه لبنانيا في تقارب بين سفيري إيران والسعودية، مما عزز الاستقرار في لبنان بدعم تركي.
كل ذلك يؤدي إلى القول إن الصفقة لم تكتمل بعد، وان نضوجها ينتظر نتيجة المفاوضات بين الدول الست (5 + ألمانيا) وإيران حول الملف النووي، وهي التي ما زالت تتعثر حتى اليوم.
في إطار هذه الصورة المتشابكة، يمكن القول إن إيران التي كسبت في العراق، خسرت في اليمن مع إعلان وفاة عبدالله الحوثي في إحدى المعارك، وما زالت تنتظر نتائج الحوار مع الغرب انتظاراً قلقاً.
هل معنى ذلك أن «المبادرة» السعودية ـ السورية تعثرت عند النقطة التي بلغتها سابقا قبل وعكة الملك عبدالله بن عبدالعزيز؟
هل إعلان الرئيس السوري ومثله السفير السعودي في لبنان علي العسيري، للبنانيين «ابحثوا بأنفسكم عن الحل»، هو تنصل عربي تحت ضغط عدم نضوج التسوية العامة في المنطقة والضغط الأميركي الذي يعيق التسوية إلى أن تكتمل عناصرها مع دمشق؟
الجواب خلال أيام..
