الموقف الأميركي الراهن من الصراع العربي الإسرائيلي، يضع مسمارا جديدا في نعش الدور الأميركي في المنطقة كما عرفناه طوال العقود الأخيرة. فإعلان أمريكا فشلها في وقف الاستيطان الإسرائيلي، هو أحدث دليل على فساد مقولة أن ‬99٪ من أوراق اللعبة في يد الولايات المتحدة. ورغم أن تلك المقولة لم تكن صحيحة حين أطلقها الرئيس السادات في السبعينات من القرن الماضي، إلا بقدر اقتناع العرب بها، فإنها لم تعد ذات معنى مطلقا اليوم. فأوراق اللعبة لا تكون في يد أي فاعل دولي، إلا إذا سمح بذلك أصحاب القضية أنفسهم. والعرب حين قبلوا منذ عقود أن تكون الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي لإسرائيل، هي نفسها الوسيط «الوحيد» في عملية التسوية السياسية، فإنهم سلموا فعلا لأميركا كل أوراق اللعبة، لأنهم قبلوا أن يلعبوا وفق قواعد اللعبة الإسرائيلية. فإسرائيل وحدها هي التي من مصلحتها غياب كل الأطراف الدولية الأخرى، ووجود أميركا فقط صاحبة العلاقة الاستثنائية معها.

وبانتهاء الحرب الباردة، أطلقت الولايات المتحدة دعايتها التي تروج لأنها صارت القطب الأوحد بلا منافس، وهو الأمر الذي لاقى مقاومة نجحت بدرجات مختلفة في أقاليم العالم المختلفة، بينما تم قبوله في عالمنا العربي باعتباره حقيقة لا فكاك منها. لكن إسرائيل التي كان من مصلحتها قبول العرب تلك المقولة، نجحت في الوقت ذاته في إقناع أمريكا بأن مصالحها وأهدافها بعد الحرب الباردة تظل كما هي قبلها، متطابقة تماما مع المصلحة الأميركية. وهكذا صار الوضع بعد الحرب الباردة مثله قبلها، أي انحياز أمريكي لإسرائيل، يصاحبه إيمان عربي بأن أوراق اللعبة في يد أمريكا! وظل العرب ينتظرون «الدور الأمريكي» لتحقيق السلام في المنطقة.

لكن لعل أحداث العام الحالي التي وضعت نهاية لكل مقولات الوسيط النزيه، تضع نهاية لهذا النهج العربي. فإدارة أوباما التي بدأت عهدها بخلق مسافة بينها وبين حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، ودخلت في مواجهة علنية مع نتنياهو وصلت للذروة عشية زيارة جوزيف بايدن لإسرائيل، دارت حول نفسها دورة كاملة وعادت لاتخاذ أكثر المواقف الأميركية تقليدية في الانحياز لإسرائيل. وها هو أوباما، الذي بدأ حكمه بوصف المستوطنات بأنها «غير شرعية»، يعلن على لسان مسؤولي إدارته أن بلاده لن تتمكن من وقفها! وبعد أن كان قد اختار جورج ميتشل ليكون مبعوثه للشرق الأوسط ـ واستبعد الوجوه المعروفة بانحيازها لإسرائيل ـ إذا بأوباما يسلم المفتاح لأحد عتاة مناصرة إسرائيل، دنيس روس. بل أكثر من ذلك، فإن الدور الذي يلعبه روس، هو دور القناة الخلفية للعلاقة بين الحكومة الإسرائيلية والبيت الأبيض مباشرة، دون المرور لا بوزارة الخارجية ولا حتى بجورج ميتشل.

والحقيقة أن المهم في كل ذلك ليس فقط أسبابه، وإنما دلالاته بالنسبة لنا. أما عن الأسباب، فلا يمكن في الواقع فهم تراجع أوباما بشأن القضية الفلسطينية بمعزل عن السياق السياسي داخل أمريكا، الذي شهد تراجعه بشأن الكثير من القضايا. فأوباما أعلن الكثير من المواقف الجريئة بشأن قضايا داخلية وخارجية حين كان في أوج شعبيته، لكن بمجرد أن انخفضت شعبيته وازدادت الضغوط من جانب جماعات المصالح المختلفة، لم يصمد أوباما وإنما تراجع عن الكثير من المواقف المكلفة سياسيا، خصوصا التي تحدته بشأنها جماعات مصالح قوية.

وكما هو الحال بالنسبة لقضايا داخلية كثيرة، كان بإمكان أوباما بشأن إسرائيل أن يبقى على موقفه ويحصل مع ذلك على الدعم السياسي والمادي. فاستطلاعات الرأي تشير إلى أنه، وعلى عكس الموقف اليميني المتشدد الذي تتخذه المنظمات اليهودية الأمريكية ضده، فإن أغلبية اليهود الأميركيين لا يمانعون في ممارسة أميركا الضغط على إسرائيل للتوصل لتسوية مع الفلسطينيين، ويؤيدون تقسيم القدس ووقف الاستيطان.

معنى ذلك أن إصرار أوباما على موضوع الاستيطان لم يكن سيكلفه أصوات اليهود. أما تمويل المنظمات اليهودية المتشددة، فكان يستطيع تعويضه عبر الإصرار على مواقف داخلية قوية تحظى بتأييد منظمات يهودية أخرى. لكن يبدو أن أوباما اختار الطريق الأسهل.

ولعل الأهم من كل ذلك هو دلالة ما جرى. فحين تعلن أميركا أنها فشلت في دفع إسرائيل لوقف الاستيطان لمدة ثلاثة أشهر فقط، مقابل هدايا عسكرية ومادية مذهلة كانت قد عرضتها، فإنها تكون بذلك قد أعلنت إفلاسها بشأن الصراع العربي الإسرائيلي بالكامل. فالمنطق وراء الدور الأميركي وحكاية أوراق اللعبة التي هي في يد أمريكا، كانا في جوهرهما يقومان على أن أمريكا وحدها هي القادرة على إقناع إسرائيل أو الضغط عليها. وحين تفشل أميركا في ذلك، يكون دورها قد فقد مبرر وجوده أصلا.

الأسوأ من ذلك، هو أن إعلان الإفلاس الأميركي تلاه مزيد من الانحناء لإسرائيل. فقد ردت الولايات المتحدة على التطرف الإسرائيلي باحتضانه وحمايته، وبمجرد أن صدرت تصريحات فلسطينية تتحدث عن اللجوء للمجتمع الدولي، هبت أمريكا عن بكرة أبيها للاصطفاف وراء إسرائيل. فبعد أن عارضت وزيرة الخارجية الأمريكية بشدة أي إعلان للدولة الفلسطينية من جانب واحد أو اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية، أصدر مجلس النواب الأمريكي قرارا في أقل من ‬48 ساعة، يدين التصريحات الفلسطينية ويدعو الإدارة لمواجهتها بكل قوة، باعتبار أن الحل هو المفاوضات المباشرة التي فشلت أميركا أصلا في إيجاد الحد الأدنى من الظروف المواتية لعقدها!

أما ميتشل الذي سحب منه دنيس روس البساط، فقد عاد للمنطقة لاستكمال الديكور بمشروع له اسم مبتكر، هو «المفاوضات الموازية» التي تتفاوض فيها إسرائيل مع أصدقائها الأميركان، الذين يتفاوضون بدورهم مع الفلسطينيين!

ما يحدث اليوم يدل على أن ‬99٪ من أوراق اللعبة في يد أميركا.. هذا إذا كنا نقصد لعبة التسويف وإدارة الصراع، وليس حله!