منذ فوز «أوباما» في انتخابات الرئاسة الأميركية، والمراقب لسياسات الولايات المتحدة يشعر بخيبة أمله في بعض الموضوعات التي عوّل عليها طويلا باعتلائه سدة الحكم، فهذا الشاب الأسمر الذي لم يدخل بعد عقده الخامس، كان محملا بكثير من الأحلام والطموحات وبأجندة زاخرة بوعود مبشرة للناخب الأميركي، وحتى لأولئك الذين ساندوه معنويا وتخطت مساندتهم البحار والمحيطات، فقط أملا في غد أفضل، وربما أيضا توهما بأن على يديه سيسود العدل العالم، وسيبدأ التاريخ بتدوين هذا التحول الإيجابي لأمريكا تزامنا مع انتخابه كرئيس. ولم يتوقع «أوباما» على صعيد القضايا الخارجية، ولا سيما القضية الفلسطينية، أن الترسانة الصهيونية من الصلابة بحيث تبدد أية آمال في انفراجها، وها هي إدارته اليوم تعترف بفشلها في الحصول على موافقة إسرائيلية على تجميد بناء المستوطنات الجديدة، وتفشل معها المفاوضات وتدخل عملية السلام في غيبوبة عميقة، كما جاء على لسان نبيل شعث.

ورغم المحاولات المستميتة لثني إدارة الكيان الإسرائيلي عن المضي قدما في مشروع الاستيطان، إلا أن خيبة الأمل كانت كبيرة لأوباما شخصيا، إذ صرح بأن قرار السلطات الإسرائيلية بناء مساكن جديدة في حي استيطاني في القدس الشرقية المحتلة «لا يساعد» عملية السلام في الشرق الأوسط، وأن «هذا النوع من الأنشطة لم يكن له أبدا دور مساعد عندما يتعلق الأمر بمفاوضات سلام». وما يمكن أن نفهمه من هذا التعليق على ما يجري على أرض الواقع هناك في الأراضي المحتلة، هو أنه يصيب أي مواطن عربي بخيبة أمل كبيرة، فاليأس على لسان أوباما جاء واضحا وجليا وكأنه يريد أن يقول «ليس باليد حيلة»، فتحريك عملية السلام أشبه ما يكون بتحريك جرار في مستنقع!

وبذلك يمكن القول إن الحقبة الأولى من الفترة الزمنية لحكم أوباما الممتد لسنتين مقبلتين، اتسمت بالفشل ولم تكن مجدية لعملية السلام، ودفع كثير من الذين توسموا خيرا بمجيء أوباما إلى الإحباط وانخفاض في نسبة التفاؤل بالنسبة لإعلان الدولة الفلسطينية في العام المقبل، خاصة وأن إعلان الدولة من جانب الفلسطينيين فقط سيجابه بفيتو أمريكي صريح، فالولايات المتحدة ستقوم باستخدام حق النقض في مجلس الأمن الدولي على كل اقتراح حول الاعتراف بدولة فلسطينية ليست جزءا من اتفاق مع إسرائيل. ويبدو أن المبعوث الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط السيناتور جورج ميتشل، لا يقل إحباطا في هذا الشأن عن رئيسه، ففي الوقت الذي يتطلع لاستكمال الجهود والتوصل إلى حلول للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية فاعلة ومستقلة تعيش في أمن وسلام مع إسرائيل، يدرك كما يقول أن «الوصول لهذا الهدف أمر صعب وليس سهلا، لأن الخلافات حقيقية وملحة بين الطرفين»!

إذن، التساؤل المشروع الذي يدور في أذهان المواطن العربي البسيط، هو؛ ما الذي يمكن أن يحرك عملية السلام مستقبلا في غياب كل معطيات النجاح التي يمكن أن «تحلحل» وتدفع بمسيرة المفاوضات؟ وهل كتب على جبين القضية التسويف والتغييب والتعذيب، ووأد الحلم في قيام دولة فلسطينية متواضعة في طموحها وفي احتواء أراضيها المحتلة لحدود عام ‬67 وليس ‬48 كما يبالغ البعض في ما بات يعتبر «شطحات أحلام اليقظة»؟ لعل ما كنّا نستهجنه وندينه البارحة يبدو أرحم بكثير من حال اليوم، فالتنازلات التي قدمها المرحوم أبو عمار بداية من أوسلو وانتهاء بمفاوضات متعثرة في ظل حكومة «بيل كلينتون»، ظلّت أفضل من الوضع القائم بمراحل. فالاستيطان قد وصل مداه، والحصار لم يصل لمنتهاه بعد، والمفاوض الفلسطيني يظل يراوح مكانه في ظل وضع التفتت والتشظي في لحمة الداخل الفلسطيني.

من يقرأ السيرة الذاتية لباراك حسين أوباما سيدرك مقومات نجاحه في انتخابات الرئاسة، وذلك من خلال قدرة جبارة على التغيير وتبني المشروعات من العدم وإرادة تنفيذها، وروح الاستمرارية التي تبث في من حولها تحدي الصعاب وحب العمل، فالرجل ذو الملامح الإفريقية الواضحة، تغلّب على تركيبة الجذور والأصل، وتحرر من عقد النقص التي عانى منها كثير من الأفارقة في المجتمع الأمريكي، وخاصة الذين انخرطوا في بناء تاريخ سياسي للسود في أمريكا، وتخرجوا من مدرسة المطالبة بالعدالة والحقوق المدنية للسود ذاتها، إلا أن أوباما ومنذ أن بدأ يضع الخطوط العريضة لمستقبله السياسي، لم تشغله هذه الهموم. فقد بدأ خلاّقا في أفكاره واستطاع أن يلهم الآخرين لتبني هذه الأفكار، لذا يبدو تدرجه السريع في شغله للمناصب السياسية وكأنه نتيجة طبيعية لشخصيته الفذة، ولكن يبدو أن هذا النجاح له حدود، وما يمكن أن يتحقق على النطاق الداخلي للولايات الأميركية، من الصعب أن يتحقق في نظام عالمي يعصف بالمشاكل والحروب التي ورثها عن أسلافه. فالحرب العراقية التي طالما عارضها ووعد الناخب الأمريكي بانقضاء هذه المهمة سريعا، يبدو اليوم من الصعوبة بمكان الخروج من الوحل العراقي بحيث يمكن أن يترك الجمل بما حمل، فأذيال مغامرات جورج بوش تكبل أوباما، سواء في العراق أو في أفغانستان، أو حتى هناك في معتقل غوانتانامو الذي كان يحلم أوباما بإقفاله بالضبة والمفتاح بمجرد الوصول للحكم، إلا أنه فشل في إغلاقه في الموعد الذي حدده شخصيا «قبل مرور عام» على تسلمه مقاليد الرئاسة.

الإحباط في مسيرة أوباما على صعيد السياسة الخارجية وعلى صعيد مشروعات القوانين في الداخل، ينعكس بالضرورة على ملايين البشر، وخاصة الحالمين في أوطاننا العربية عشية عام جديد يوشك على الولادة.