ما تعيشه أميركا اليوم ليس انتعاشاً، وإنما هي حالة طوارئ متواصلة في الوظائف، وتتطلب اتخاذ إجراء حاسم. فقد أضاف أرباب العمل في القطاع الخاص الأميركي 50 ألف وظيفة في نوفمبر الماضي، وهو المكسب الأقل منذ يناير 2010. فهناك أكثر من 15 مليون أميركي عاطل عن العمل، وهذا الرقم لا يشمل الذين يعملون بعض الوقت ويفضلون العمل بدوام كامل، أو الرقم القياسي المؤلف من 1,3 مليون شخص وصلوا إلى وضعية أكثر تثبيطاً من أن يبادروا إلى البحث عن عمل. وهناك 5؟ من الحاصلين على درجات جامعية عاطلون عن العمل حالياً، بينما هناك أكثر من 20؟ من الفئات الأخرى دون عمل.
ربما لهذا السبب فإن واشنطن لا تتفهم الأمر، ففرقة الصدى في واشنطن مليئة بالدرجات الجامعية. كما أن اقتصاد رأس المال الكبير في وول ستريت وفي أجنحة الشركات، لا يتفهم الأمر أيضاً. إنهم يؤدون على أتم ما يرام بشكل مذهل، لأنهم مرتبطون بالأسواق سريعة النمو في الصين والهند والبرازيل. ولكن ما زال اقتصاد «العامل المتوسط» في «مين ستريت» يتخبط.
لنكن واضحين إزاء هذه المشكلة؛ إنها تتعلق بطلب غير كاف على العمال. وهناك أربعة مصادر فقط للطلب.
المصدر الأكبر هو المستهلكون الأميركيون، الذين يشكّلون نحو 70؟ من النشاط الاقتصادي. ولكن الشريحة الواسعة من الطبقة المتوسطة في أميركا والطبقة العاملة، لا يمكنهم أن يشتروا بالقدر المناسب الذي يكفي لإعادة الناس إلى العمل، فهم لا يزالون تحت عبء ديون ضخمة. حتى في حال السداد وعندما يسددون، فقد ولّت أيام الشراء بالنسبة لهم. فالكساد الكبير قضى على آخر وسائلهم في التعامل مع سنوات الأجور الراكدة، حيث يغوصون في غياهب الدين من خلال استخدام منازلهم كضمان إضافي. وانفجرت فقاعة الإسكان، وتواصل أسعار المنازل الانخفاض.
المصدر الثاني للطلب المحلي، يتمثل في نشاط الأعمال. ولكن أنشطة الأعمال لن توظف المزيد من العمال دون وجود المزيد من الزبائن. ويقول المؤيدون لزيادة العرض، إن الشركات لن تبدأ التوظيف لو أن ضرائبهم كانت أقل. ولكن هذه الشركات تمتلك تريليون دولار تقريبا من السيولة، وليست بحاجة إلى ضرائب أقل لتوظيف المزيد من الأميركيين، وإنما بحاجة إلى المزيد من الزبائن الأميركيين.
المصدر الثالث للطلب المحلي، هو صافي الصادرات، ولكنها لا يتم تصريفها في أي مكان. فرغم أن الصين والهند والبرازيل تقوم بشراء السلع والخدمات من الشركات الأميركية، وبالتالي تعزز الأرباح الأميركية، فإن تلك الشركات تصنع معظم ما تبيعه هناك في تلك البلدان. وشركة «جنرال موتورز» تبيع المزيد من السيارات في الصين، أكثر مما تبيعه في الولايات المتحدة الآن، وهي تقوم بتصنيعها في الصين.
إن ذلك يقودنا إلى المصدر الرابع للطلب المحلي، وهو الحكومة. ولكنها لا تكاد تقوم بسد الفجوة، بل على العكس، فإن الدولة والحكومات المحلية مفلسة، وتخفض الإنفاق وتزيد الضرائب بمقدار أكثر من 110 مليارات دولار خلال العام الجاري. فالحافز المهلك الذي تقدمه الحكومة الفيدرالية على وشك النفاد (جميع الاقتصاديين تقريباً يعتقدون بأنه وفّر أكثر من 3 ملايين وظيفة).
يقوم مجلس الاحتياطي الفيدرالي بضخ 600 مليار دولار في الاقتصاد، ولكن من دون سياسة مالية توسعية فإن ذلك لن يكون سوى تأجيج للتكهنات.
بدلاً من ذلك، يعتبر التقشف وتخفيض العجز، عبارات طنانة جديدة في واشنطن، كما هي الحال في أوروبا، وهو أمر سخيف في ظل ما يحدث للاقتصاد. إن الاستجابة لا تقتصر فقط على تقديم إعانات البطالة، ولكن بإنشاء إدارة جديدة لتقدم الأعمال، على غرار إدارة تقدم الأعمال خلال فترة الكساد الكبير، بهدف توفير العمل للأميركيين العاطلين. إننا نحتاج أيضا إلى مصرف قومي للبنية التحتية، لإعادة بناء الطرق المتداعية في أميركا وشبكات المياه والصرف الصحي، الأمر الذي سيعيد إلى ساحة العمل عددا إضافياً من الناس.
بالإضافة إلى ذلك، فإن إعفاء شريحة الـ20 ألف دولار الأولى من الدخل من ضريبة الرواتب، سوف يوفر المزيد من الأموال في أيدي العمال بأجر أقل سوف ينفقونه. يجب أن نمدد تقديم ائتمان ضريبي على الدخل، وإعانة الأجر، من خلال الطبقة المتوسطة، ونخفض الضرائب المفروضة على كل شخص يصل دخله إلى 80 ألف دولار.
كيف يمكن سداد ثمن ذلك؟ على مدار 70 عاماً، لم يتركز كل هذا القدر من الدخل في أميركا عند هذا المستوى المرتفع. يمكن سداد كل ذلك من خلال رسوم بـ2؟ على الدخل الذي يتراوح بين مليون ومليوني دولار، وفرض رسم بــ3؟ على الدخل بين مليونين وخمسة ملايين دولار، وفرض رسم بــ5؟ على جميع الذين يتجاوز دخلهم 5 ملايين دولار. ولنقم بإضافة 0,5؟ ضريبة على جميع صفقات المعاملات المالية.
إن خيارنا يتمثل إما في مثل هذه الإصلاحات، أو استمرار الضغوط الاقتصادية على ملايين الأسر الأميركية، وهي الضغوط التي سوف تترجم على شكل سياسة أكثر غضباً ومدعاة للانقسام من أي وقت مضى.
لا يمكننا العودة إلى «العرف» القديم بالتركيز الذي لم يسبق له مثيل على الدخل والثروة في أيدي الطبقة الأعلى، لأن ذلك العرف القديم أفضى بنا إلى الورطة الحالية. يقوض العرف القديم القدرة الشرائية لبقية أميركا، فهو يشجع المضاربة في وول ستريت، ويترجم نفسه إلى سلطة سياسية غير عادية للنخبة الثرية، التي تصر على الحصول على المزيد من السلطة والثروة، وتحول دون ازدهار أميركا.
ولكن لماذا ستوافق هذه النخبة من الأثرياء؟ سوف يوافقون عندما يدركون أن هذه الاستراتيجية ضارة بالنسبة لهم.
أما الطبقة العليا فستكون أفضل حالاً بنصيب أصغر من اقتصاد مزدهر يثمر سياسة إيجابية، منهم بنصيب أكبر من اقتصاد هزيل يفجر سياسة غاضبة. إنه يتعين عليهم أن ينقلوا هذه الرسالة إلى ممثليهم المأجورين في الكونغرس.
وزير أميركي سابق وأستاذ السياسة العامة في جامعة كاليفورنيا