في العام ‬2000، التقيت دبلوماسياً روسياً كان حاضراً في مؤتمر خليجي في عاصمة خليجية، كان الصحافيون يتحاشونه وهم يرددون همساً أنه رجل الــ«كي جي بي» في السفارة الروسية في تلك العاصمة.

كان شاباً أشقر قصير القامة، لكن ذو جسم رياضي متناسق (بشكل يذكرنا بهوس الكمال السوفييتي الذي حول الجمباز لعبة وطنية روسية). لقد فهم هذا الانطباع الرائج عنه بذكاء، ووسط الحديث، قال دون مقدمات كمن يبرر أسئلته: «ثلاثة خبزهم واحد.. الدبلوماسيون، الجواسيس والصحافيون.. خبزهم هو المعلومات».

والسؤال الذي سيلي هذا هو: ما الغاية من المعلومات وأين ستصب في النهاية؟ فالمعلومات لا تجمع لإشباع الفضول فحسب، بل لا بد لها من وجهة نهائية، فعليها تبنى السياسات والمواقف والانطباعات والتقييم. أما إبقاؤها سرية أو نشرها، فذاك أمر تقتضيه أسباب لا حصر لها، من أصول الدبلوماسية، إلى ممارسة الضغوط والتفاوض، إلى مجرد العلم فحسب، وصولا إلى التشهير. وكلما كانت المعلومات خطيرة، كلما زاد طوق السرية حولها، وليس من الضروري أن يكون ذلك لأغراض خبيثة، بل أحيانا خشية أن يؤدي نشرها إلى ردود فعل كارثية.

يقرأ الصحافيون الخلاصات من خلال التحليل والمعلومات المتوافرة، المنشورة منها والشفاهية، من المصادر المفتوحة أو المصادر المغلقة. ما يقال همساً وما يقال مواربة ومجازا وتلميحا. ما يقوله المحللون والساسة، وما يقوله سائقو الأجرة والناس في الشوارع في أي بلد. من هذا النوع، برقيات أوردها موقع «ويكيليكس» تصف أوضاع نخبة حاكمة في بلد ما، أو ما هو غير معلن عن تعاون سياسي أو استخباراتي، أو كلمات تعكس موقفا لا يقال علنا، من باب أقدم تقاليد العمل السياسي والكياسة الدبلوماسية.

الصحافيون يحومون حول المعلومات دوما، لهذا فهم بالنسبة للآخرين، وخصوصا السياسيين، مخلوقات مزعجة. لكن ولأننا والدبلوماسيين نمارس عملنا في ميدان السياسة، فإن أكثر من يشبهنا هم الجواسيس، وعلى هذا فما من غطاء مفضل للجواسيس سوى أن ينتحلوا صفة الدبلوماسي أو الصحافي. هل نسيتم أن واحدا من الجواسيس السوفييت العظام في القرن العشرين، الأسطوري كيم فيلبي، كان أثناء خدمته في جهاز «ام أي 6» البريطاني يعمل صحافيا؟ وهل نستيم أن روبرت ماكسويل، رئيس تحرير الديلي تليغراف كان عميلاً للموساد؟

في حدود هذا التماهي، فإن الساسة والدبلوماسيين والصحافيين والجواسيس، لاعبون رئيسيون في عالم من الأحاجي والألغاز، اصطلحنا على تسميته عالم السياسة. العالم الذي لا تقدم فيه المعلومات كاملة، بل أنصاف المعلومات والتلميحات والنوايا المبطنة، المصاغة في أكثر الصيغ مواربة وتهذيباً. ألم يستوقفكم أن أكثر الكلمات التي تتردد حول ما يكتب في الصحف ووسائل الإعلام هي: «تكهنات»؟ على هذا، فإن التحليلات التي تطالعنا بها الصحف ووسائل الإعلام، والحوارات التلفزيونية ومراكز الأبحاث، ليست سوى محاولة لربط أطراف احجيات وألغاز لا تنتهي، صنعت في مطابخ السياسة التي تصب فيها المعلومات من مصادر لا حصر لها: تقارير الاستخبارات، تقارير الدبلوماسيين، تحليلات الإعلام ومراكز الأبحاث.

لكن مهلا، متى كانت الدبلوماسية والعمل الدبلوماسي غير ما كشفت عنه وثائق «ويكيليكس»؟ إذا يفعل الدبلوماسيون منذ أقدم العصور وحتى اليوم، وعدا تمثيل مصالح بلدانهم ورعايتها، غير إرسال التقارير إلى حكوماتهم، وليس بالضرورة أن تكون مبهجة أو متاحة للجمهور؟

لم يفعل موقع «ويكيليكس» سوى أن كشف الجانب الخفي في مطبخ الدبلوماسية الأميركية، وثائق تخص القوة العظمى التي ينشط دبلوماسيوها في كل القارات وفي كل نزاع، وهو ما حدا بصحيفة «ذي غارديان» البريطانية إلى ان تعنون موضوعها عن هذه الوثائق بعنوان بليغ: «نظرة الولايات المتحدة إلى العالم في ربع مليون وثيقة مسربة» (غارديان ــ ‬29 /‬201011).

في المحصلة النهائية، فإن موقع «ويكيليكس»، ورغم كل ما قد يقال، لم يفعل سوى ان سد فراغات في لوحات الاحاجي لعشرات ومئات القضايا عبر العالم، أكمل حل احجية هنا وهناك، فما كان يستشعره الصحافيون والكتاب والناس بالتحليل أو حتى بالحدس، اكملته البرقيات المسربة.

لقد أثارت التسريبات حيرة حول دوافع نشرها ودوافع القائمين على موقع «ويكيليكس»، وحظينا مجددا بمواجهة ذلك الاحتمال الذي لا غنى عنه في أي جدال سياسي، وهو أن التسريبات قد تكون «متعمدة». الاستدلال العقلي قد لا يستبعد هذا الاحتمال، وحتى الحرج ومقدار الضرر الذي لحق بالإدارة الأميركية، لا يقلل من قيمة هذا الاحتمال لأن ثمة تفسيرا منطقيا يقابله، هو أن تكون «نظرية التسريب المتعمد» جزءا من صراع داخلي. لست أقول بهذا، بل إنني مثل كثيرين أفكر بصوت مسموع، لكنني ما زلت مترددا في قبول فرضية الدوافع العمد (مفردة مخففة لوطأة كلمة مؤامرة).

فمن هو هذا المجنون الذي سيدشن (حتى بأكثر الدوافع المرضية) موقعا على شبكة الانترنت، سيغدو بعد حين «النادي العالمي للموظفين الناقمين» الذين إن أرادوا الانتقام لأي دافع من مرؤوسيهم أو حكوماتهم، سينشرون وثائق كانت بحوزتهم على الانترنت؟ قد يكون هذا النادي هو مآل «ويكيليكس»، وهذا يبدو أمرا لا مناص منه، ومن هنا فحسب، حجم ونوع التغيير الذي أحدثه هذا الموقع في العالم بأسره. إن جوليان اسانج مؤسس الموقع شاب في التاسعة والثلاثين من العمر، وفي ملمح غير ظاهر حتى الآن، فإن فعل التسريب يبدو رد فعل من جيل سئم كل ما يظهر على سطح العالم من سياسات قديمة تنتمي لأجيال سبقت. فالكياسة الدبلوماسية، وقواعد السلوك بين الساسة ومقدار النفاق الهائل الذي تفصح عنه المجاملات الدبلوماسية في عالم موبوء بالكوارث والحروب ويعاني مظاهر التأزم، تبدو تناقضا لا تفهمه أجيال جديدة.

الانترنت تغير العالم، لكن ملامح هذا التغيير ودوافعه تختزل أكثر من ملمح، والوجهة ما زالت ملتبسة.

 

كاتب وصحافي بحريني