كان من أسباب ازدهار الحضارة العربية والإسلامية اهتمامها بعلوم الأمم الأخرى، فقد تُرجمت مؤلفات العلماء اليونانيين والفرس والهنود إلى اللغة العربية، ولم يكتفِ العلماء العرب والمسلمون بما وصل إليهم من معارف، بل أضافوا إليها وطوّروها، حتى أصبحت مؤلفاتهم فيما بعد مصدراً علمياً استفادت منه أمم أخرى.
وهذه الحقيقة التاريخية تدعونا إلى التأمل في قيمة تبادل المعرفة بين الشعوب، وكيف يمكن للتعاون الفكري أن يسهم في نهضة الأمم وتقدم البشرية.
وعندما ننظر اليوم إلى الشراكات الاقتصادية التي تعقدها دولة الإمارات العربية المتحدة مع مختلف دول العالم، نجد أن الاهتمام الإعلامي ينصب في الغالب على حجم الاستثمارات والتبادل التجاري والعوائد الاقتصادية، وهي بلا شك جوانب مهمة، والحقيقة أن خلف هذه الأرقام جانب آخر لا يقل أهمية، وهو ما يمكن أن نسميه الوجه الآخر للدبلوماسية الإماراتية، المتمثل في الشراكات المعرفية وتبادل الخبرات العلمية والفكرية.
ففي علاقات الإمارات مع اليابان وألمانيا وكندا، نجد أن التعاون لا يقتصر على التجارة والاستثمار، بل يمتد إلى مجالات البحث العلمي والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية، وما يصاحب هذه المجالات من اجتماعات للخبراء وطاولات مستديرة وحوارات علمية متخصصة، يلتقي فيها أصحاب الخبرات والعلوم المختلفة.
ولنتأمل قليلاً ما يحدث، عندما يجلس عالم إماراتي مع عالم ياباني وآخر ألماني أو كندي، فكل واحد منهم يحمل معه خبرة علمية وتجربة عملية نشأت في بيئة مختلفة، وعندما تتلاقى هذه العقول فإن الفائدة لا تقتصر على انتقال المعلومات من طرف إلى آخر، بل تمتد إلى توليد أفكار جديدة، وربما إيجاد حلول لمشكلات لم يكن أحدهم يستطيع معالجتها بالكفاءة نفسها منفرداً، ويحتك العالم الإماراتي بأهم العقول في العصر الحديث، ويستفيد من صفوة الصفوة من علماء اليابان وألمانيا الذين أضافوا الكثير بصناعاتهم للعالم، وهذا يدعو إلى التفاؤل بمستقبل العقول الإماراتية.
والحقيقة أن هذا التوجه ليس بعيداً عن النهج التنموي الإماراتي، فقد اعتاد الإنسان الإماراتي أن يبحث عن فرص التطور في مختلف المجالات، وأن ينظر إلى العلاقات الدولية نظرة شاملة، فلا تكون المكاسب الاقتصادية غاية منفصلة عن بناء الإنسان وتنمية قدراته، وهنا تظهر أهمية شراكات العقول.
وهذا ما نراه في النهضة الشاملة التي يقودها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي أولى التعليم وبناء الإنسان اهتماماً كبيراً، إيماناً بأن الاستثمار في العقول هو الأساس الذي تقوم عليه التنمية المستدامة، وأن امتلاك المعرفة والقدرة على تطويرها هو ما يمنح الأمم فرصاً كبرى لصناعة مستقبلها.
ولذلك، فإن الدبلوماسية المعرفية الإماراتية تستحق أن نتوقف عندها، وأن ننظر إلى نتائجها بالاهتمام نفسه الذي نوليه للاتفاقيات الاقتصادية، فكما نحتفي بفتح الأسواق وتدفق الاستثمارات، ينبغي أن نلتفت أيضاً إلى ما تفتحه هذه الشراكات من آفاق أمام العلماء والباحثين والخبراء.
فازدهار الدول لا يُقاس بما تحققه من مكاسب مادية فقط، بل بما تضيفه إلى رصيد المعرفة الإنسانية، وما تتركه من أثر في تقدم الشعوب. وقد تكون بعض أهم ثمار الشراكات الدولية أفكاراً تولد على طاولة حوار بين عالمين، ثم تتحول بعد سنوات إلى ابتكارات ينتفع بها العالم بأسره.
