انتهت إحدى أكثر انتخابات التجديد النصفي الأمريكية إثارة وأهمية وخطورة ومتابعة وترقباً، لا في أمريكا، بل في العالم. مليارات البشر في سائر أرجاء المعمورة تابعوا ما قبل وأثناء وعقب الانتخابات الأمريكية، وكأنها انتخابات الحي التي ستؤثر على معيشتهم اليومية، أو المدينة التي ستضع مدينتهم على خريطة الاهتمام أو تقصيها، أو الوطن الذي ينتمون إليه فتدفع بهم نحو مستقبل أفضل أو أكثر بؤساً.
بعيداً عن نتائج هذه الانتخابات، وكيف طغى الأزرق على الأحمر، ولماذا حدث التحول، وكيف وقع التغيير، أثبتت أن أمريكا تؤثر على العالم كله، سواء كان التأثير سلبياً أو إيجابياً، وسواء كانت تجمعها علاقات طيبة أو غير طيبة مع هذه الدولة أو تلك.
الجميع غارق حالياً في البحث عن إجابات للسؤال الأكبر: وماذا بعد؟.. إنه السؤال الذي تندرج تحته مئات الأسئلة المفتوحة التي تحتمل آلاف السيناريوهات والتوقعات.
ما مصير الحزب الجمهوري الآن، وهل يعيد مراجعة مواقفه ويعيد إحياء نفسه؟.. ما رد فعل الحزب الديمقراطي، وهل حصل على الجرعة المنشطة المطلوبة والكافية لينهض من الركام والرماد والخرائب التي جلبها على نفسه؟.. كيف سيتصرف الرئيس ترامب في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة؟.. وهل يصارع الزمن لينهي المهام غير المكتملة؟.. هل ستؤثر هذه النتائج المذهلة على موقف أمريكا من إسرائيل، ولو ظاهرياً؟.. هل تتغير دفة السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، ونشهد تغيراً ما في الرؤية والأولويات والمصالح؟.. هل تشهد حرب روسيا في أوكرانيا حلحلة ما؟
هل تبدأ الأغلبية الديمقراطية موجة تحقيقات عاتية في أحداث وإجراءات اتخذت على مدار العامين الماضيين؟.. هل نشهد موجات من اللجوء للسلطة القانونية لإلزام مسؤولين حاليين وسابقين في الإدارة الأمريكية بالشهادة في قضايا شائكة؟.. هل يصل الأمر للتقدم بطلبات عزل الرئيس؟.. وما الخطوات التي قد تتخذها الإدارة الأمريكية تحسباً لكل ما سبق؟
إذا كانت انتخابات التجديد النصفي جذبت اهتمام ومتابعة مليارات الأشخاص حول العالم، فإن الأيام والأسابيع القليلة المقبلة ستحبس أنفاسهم انتظاراً لتحولات كبرى أو خطوات مفاجئة، في ظل حالة الانقسام والاستقطاب غير المسبوقين في تاريخ أمريكا الحديث.
وربما أيضاً تمضي الأمور بقدر غير متوقع من الهدوء، حيث يهدئ الطرفان من الاحتقان والتسخين، وتتخذ الإدارة الأمريكية بضع خطوات هادئة بعيداً عن إثارة وصخب الفترة السابقة، والعامرة بالتصريحات المتناقضة والمقلقة، وفي الوقت نفسه، يخفض الفائزون الديمقراطيون من أدرينالين الحملات الانتخابية والتحفيز السياسي والتهديدات المندرجة تحت بند البرامج والوعود قبل الإدلاء بالأصوات، وتكون النتيجة فترة من الهدوء النسبي. كلها احتمالات، وجميعها سيناريوهات، وتبقى الأيام المقبلة جديرة بأن نحبس أنفاسنا انتظاراً لما ستسفر عنه الأحداث والخطوات في أمريكا، وانعكاساتها على بقية العالم.
لكن بقية العالم في كفة، والوضع الخاص بإيران وامتداداته وانشطاراته في كفة أخرى.. ما مصير الحرب على إيران؟.. هل يسارع الرئيس ترامب بإنهائها، سواء كان ضرباً وقصفاً أو تفاوضاً واتفاقاً؟.. أم يعمل على إبقائها ملفاً مفتوحاً، فلا هي حرب أو سلام، لعلها تكون ورقة قوية في فترة مقبلة يعرف تماماً أنها بالغة الصعوبة؟
وماذا عن غزة وملفها المفتوح، حيث أصبح الباب موارباً، فلا هو مغلق، حيث إعادة الإعمار واضحة واستعادة الاستقرار والهدوء واردة، ولا هو مفتوح، حيث إسرائيل مستمرة في استباحتها (ومعها الضفة) دون مسائل أو ضامن حتى لحدود الاستباحة؟
كل ما سبق، بالإضافة إلى قائمة الضغوط الاقتصادية، حيث أسعار الوقود والشحن والنقل والتأمين، وأسعار السلع الأساسية من أغذية وأدوية وغيرها، ومصير فقاعة الذكاء الاصطناعي، تبقي على العالم في خانة الانتظار القلق والترقب المتخوف حتى بعد ما انتهت انتخابات التجديد النصفي.
ضمن الدروس المستفادة والعبر المكتشفة أن ما يحدث في أمريكا، لا سيما على صعيد الانتخابات والقرارات السياسية والعسكرية والاقتصادية، ليس شأناً أمريكياً خالصاً، بل هو شأن عالمي خالص، إن لم يكن بالمشاركة في اتخاذ القرار واختيار المرشح، فبتجرع أو تحمل نتائج القرارات ومحصلة أداء المرشحين الذين أصبحوا نواباً وحكاماً ومسؤولين.
