إن التلاحم الوطني من أعظم أسباب قوة الأوطان ومنعتها، وأهم ركائز أمنها واستقرارها، ففي ظله يجتمع أبناء الوطن على قلب واحد، وتتوحد جهودهم في ميادين البناء والعطاء، وتترسخ في نفوسهم قيم التراحم والتعاون والتكاتف، وكلما اشتدت أواصر هذه اللُحْمة ازدادت الأوطان قدرة على مواجهة التحديات وتجاوز الأزمات، وصيانة الأمن والمكتسبات، ومن هنا تتجلى الخطورة البالغة للجماعات الإرهابية والتنظيمات المتطرفة، التي تستهدف هذا الأساس المتين، وتسعى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، وإضعاف وحدة الصف، وبث الفرقة والعداوة بين أبناء الوطن الواحد، وصولاً إلى زعزعة أمنه واستقراره وتقويض مكتسباته.
ومن أخطر أساليب هذه الجماعات وألاعيبها سعيها إلى اختطاف ولاء الأفراد وانتمائهم، عبر غرس الولاءات التنظيمية والحزبية الضيقة في نفوس أتباعها، وتقديم مصالح الجماعة وأهدافها على المصالح العليا للأوطان، وتصوير الانتماء للتنظيم على أنه واجب ديني أو أخلاقي، وهي انحرافات خطيرة تستهدف تفكيك الروابط الوطنية، وزرع الشقاق داخل المجتمع الواحد، وقد تصل آثارها إلى استباحة الدماء، وترويع الآمنين، والاعتداء على الممتلكات والمرافق العامة.
ولقد جاءت شريعتنا الإسلامية الغراء بالتأكيد على أهمية الوحدة والاجتماع، والتحذير من الفرقة والتنازع، قال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}، وقال سبحانه: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}، وفي هذه الآيات الربانية تأكيد على أن الاجتماع مصدر قوة ومنعة، وأن التفرق والتنازع من أسباب الضعف والفشل، وتتجلى في مقاصد شريعتنا الغراء حفظ النفوس، وصيانة الأمن، وجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، وتعزيز التسامح والتراحم بين الناس، وهي قيم سامية تناقض ما تقوم عليه الجماعات الإرهابية من غلو وتكفير وتحريض وعدوان، وما تجره على المجتمعات من فتن واضطرابات.
وتتضاعف خطورة هذه الجماعات في العصر الرقمي، حيث تستغل المنصات الرقمية والمواقع الإلكترونية لبثّ سمومها الفكرية، وترويج دعاياتها المضللة، واستقطاب الشباب والناشئة، وإثارة النعرات والخلافات داخل المجتمعات، وقد تتخذ من الأحداث والأزمات مدخلاً لنشر الشائعات، وفبركة المقاطع، وتأجيج المشاعر، والتشكيك في المؤسسات الوطنية، مستعينة بالحسابات الوهمية والوسوم الموجهة، حتى يتحول الخبر الكاذب إلى مادة للتحريض، والموقف الفردي إلى ذريعة لإثارة العداوات بين فئات المجتمع، وهو ما يجعل الوعي الرقمي والتثبت من المعلومات والحذر من الخطابات التحريضية ضرورة بالغة الأهمية، لصيانة العقول وحماية التلاحم المجتمعي من حملات التضليل والاستقطاب.
ولقد أدركت دولة الإمارات بقيادتها الحكيمة خطورة الإرهاب والتطرف على وحدة المجتمعات واستقرار الأوطان، فجعلت من مكافحة هذه الآفات أولوية وطنية راسخة، وأرست منظومة تشريعية ومؤسسية متكاملة لمواجهة الإرهاب والتطرف وخطابات الكراهية، وعملت على ترسيخ الفكر المعتدل وقيم التسامح والتعايش، وتعزيز الولاء والانتماء والهوية الوطنية، ضمن نهج حضاري حكيم يجمع بين الوقاية الفكرية والجاهزية الأمنية والتنمية الإنسانية، وقد أثمرت هذه الرؤية السديدة مجتمعاً آمناً مطمئناً، متلاحماً متراحماً، تتآلف فيه القلوب، وتتكامل فيه الجهود، ويعيش على أرضه أكثر من مائتي جنسية من شتى بقاع الأرض في أجواء الأمن والاحترام والاستقرار.
وإن المحافظة على هذه اللحمة الوطنية مسؤولية عظيمة يشترك فيها الجميع، وتتأكد فيها أدوار الأسرة والمدرسة والمنابر الدينية ووسائل الإعلام والمؤسسات الوطنية، عبر ترسيخ قيم المواطنة الصالحة، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وتوعية الأجيال بحقيقة الجماعات الإرهابية ومناهجها وأهدافها، وتنمية قدرتهم على التمييز بين الفكر المعتدل والأطروحات المنحرفة، وتحصينهم بالقيم الدينية والوطنية الأصيلة، وتعزيز ارتباطهم بوطنهم وقيادتهم، وتنمية وعيهم بمخاطر الولاءات الحزبية والتنظيمية المشبوهة، مع ترسيخ ثقافة التثبت والتحقق، والحذر من الحسابات المشبوهة، ورفض كل خطاب يستهدف بث الفرقة والكراهية بين أبناء المجتمع.
إن وحدة الأوطان أمانة كبرى، تستوجب وعياً راسخاً، وولاء صادقاً، وتلاحماً وثيقاً بين القيادة والشعب، وتكاملاً مستمراً بين المؤسسات والأفراد، وإن المجتمعات التي تعتز بقيمها، وتثق بقيادتها ومؤسساتها، وتدرك خطورة الجماعات الإرهابية وأهدافها الهدامة، تمتلك من المناعة الفكرية والتماسك الداخلي ما يعينها على حماية أمنها واستقرارها، ومواصلة مسيرتها التنموية والحضارية بثبات واقتدار.
إن أعظم ما تواجه به الأوطان الإرهاب والتطرف التلاحم الوطني والتحصين القيمي، وكلما اشتدت أواصر هذا التلاحم خاب مسعى المتطرفين، وبقي الوطن شامخاً عزيزاً، آمناً مستقراً، ماضياً في مسيرته نحو المجد والريادة والازدهار.
