ركيزتا التنمية الشاملة

خلال جولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في معرض «جلفود للتصنيع»، الرائد في مجال تصنيع الأغذية والمشروبات على مستوى المنطقة، أكد سموه أن دولة الإمارات العربية المتحدة تنظر إلى قطاعي الصناعة والأمن الغذائي بوصفهما ركيزتين محوريتين للتنمية الشاملة، وأن الدولة لديها رؤية طموحة لبناء قدرات صناعية متقدمة توظّف التكنولوجيا والابتكار لتطوير منظومة إنتاج غذائي أكثر كفاءة وتنافسية واستدامة.

ولا يختلف اثنان على أن ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في هذا السياق يعكس نظرة استشرافية بعيدة الأمد للمستقبل الاقتصادي للدولة، سواء تحدثنا عن المنعة الاقتصادية الداخلية أو القدرات التصديرية والتوسع فيها. أما المنعة الاقتصادية الداخلية فلكي تتجنب الدولة أن يكون اقتصادها، لا قدر الله، رهناً لأي ظروف خارجة عن إرادتها، وأما القدرات التصديرية فلأنها من أهم وسائل بناء المنعة والمرونة الاقتصادية على المدى الطويل. وقد استثمرت الدولة طويلاً في تنويع مصادر دخلها ومكونات اقتصادها، حيث أصبح هذا التنوع عنواناً أساسياً في متانة ومنعة اقتصادها.

وهذا ما يؤكده صاحب السمو، رعاه الله، بالقول: «نؤمن أن امتلاك القدرة على إنتاج غذائنا وتطوير صناعاتنا وتعزيز سلاسل الإمداد لدينا هو خيار استراتيجي يعزز جاهزيتنا للمستقبل، ويزيد من قدرتنا على التعامل بكفاءة مع المتغيرات العالمية، رؤيتنا لا تقتصر على الداخل، بل طموحنا أن نكون في مقدمة الدول صاحبة الحضور المؤثر في تعزيز الأمن الغذائي العالمي».

والقطاعان اللذان يتحدث عنهما صاحب السمو؛ الصناعة والأمن الغذائي، يكتسبان أهمية مضاعفة بسبب دورهما الاقتصادي والمعيشي على أكثر من صعيد، فالصناعة ركن أساسي للتنمية الشاملة سواء من حيث توفير الوظائف وزيادة احتياطيات الدولة من العملات الصعبة وتقليل اعتماد الأسواق المحلية على الاستيراد، إضافة إلى التنويع في مصادر الناتج الإجمالي المحلي.

أما الأمن الغذائي، فهو ركن أساسي في سلامة كيان الدولة وعنايتها بمواطنيها ومقيميها وجاذبيتها للمستثمرين والسياح، وقد علمتنا تجربة السنوات السبع الأخيرة منذ أزمة كورونا مروراً بحرب أوكرانيا والحرب الأخيرة الأهمية القصوى للأمن الغذائي ومدى ما توليه القيادة الرشيدة من عناية.

وقد تجاوزت مساهمة الصناعة والأمن الغذائي في الناتج الإجمالي المحلي للدولة 40 مليار درهم، كما كانت الدولة سباقة في اعتماد مبادرات مؤسسية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الأمن الغذائي وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي في التصنيع المحلي، والبحث والتطوير والابتكار في الصناعات الغذائية.

وتعد مبادرتا «مشروع 300 مليار»، و«الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051» من أهم البرامج الحكومية لتعزيز الاكتفاء الذاتي وطنياً في التصنيع وفتح آفاق جديدة أمام الشركات العاملة في قطاع الصناعات الغذائية لتوفير المنتج الوطني الإماراتي مصحوباً بفهم أفضل لاحتياجات السوق وتطلعاته.

وبالطبع فقد وفرت الحكومة الاتحادية مسارات موازية لدعم القدرات التصديرية لهذه الشركات.

كما كانت الدولة سباقة أيضاً في توفير مستلزمات الأمن الغذائي على النطاق العالمي ليس فقط من خلال تصدير المنتجات الغذائية الجاهزة، بل ومن خلال تطوير صناعة أسمدة ضخمة أصبحت ركناً رئيسياً في تلبية الطلب العالمي المتزايد.

ويحمل كلام صاحب السمو نائب رئيس الدولة، رعاه الله، رسالتين مزدوجتين تستحقان الاهتمام من ذوي العلاقة؛ الأولى للمستثمر المواطن، والثانية للجهات العاملة على استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. بالنسبة للمستثمر المواطن، التذكير بأن الاستثمار في قطاعي الصناعة والأمن الغذائي ليس مجرد قرار استثمار مالي بل يتعداه إلى المسؤولية الوطنية تجاه الإمارات - الدولة والوطن؛ ولا يجوز أن تكون الاستثمارات سريعة الأرباح هي الخيار الوحيد لدى المستثمر المواطن بينما تترك الاستثمارات الاستراتيجية للاستثمارات الأجنبية.

أما للجهات العاملة على استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة فلا بد من التوسع في استراتيجية استقطاب الاستثمارات الهادفة لبناء قطاع تصديري واسع النطاق، للاستفادة من موقع الدولة ومركزها التصديري وإمكاناتها اللوجستية الضخمة التي تجعلها الخيار الأفضل لأي صناعة تصديرية تسعى للاستقرار في الإمارات والانطلاق منها للعالم.

وتبقى الإمارات الرقم الصعب في معادلة التنمية الشاملة.