من «الملكة حصة» إلى «صوت دبي».. إرث يتجدد

  في «الرسائل»، يضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خلاصة ستة عقود من التجربة والعمل العام، في كلمات موجهة إلى رموز وشخصيات وطنية وأجيال مختلفة.. لكل رسالة من الرسائل الـ ٢٦ مخاطبها، ولكل قراءة زاويتها التي تمتد أبعد من صفحات الكتاب.

في هذه السلسلة «الرسائل من التجربة إلى الأثر»، التي تنشر بشكل دوري كل خميس، نقرأ الرسائل من الداخل، ونقترب من الأفكار التي حملتها التجربة، وما تكشفه من معانٍ في حاضرنا، وما ترسم لمستقبلنا.  

في ذاكرة دبي امرأة امتد أثرها عبر أجيال، من مجلس كانت تشارك فيه بالرأي، إلى ابن تعلم منها كيف يزن قراراته، ثم إلى حفيد اختار سيرتها قدوة لبناته: إنها الشيخة حصة بنت المر، والدة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وجدة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

كانت حاضرة في شؤون الحكم والتجارة وفي حياة الناس، وتركت بصمتها في تكوين شخصية ابنها الذي سيقود لاحقاً تحولات كبرى في تاريخ دبي.

لهذه المرأة خصص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الرسالة العشرين من كتاب «الرسائل»، ووجهها تحديداً إلى بناته وبنات بلاده تحت عنوان «رسالة إلى بناتي.. الملكة حصة». وفي اختياره لهذه الشخصية ما يتجاوز الذكرى العائلية، فهو يعود إلى جذور شكلت شخصية والده الشيخ راشد، ويضع أمام بناته تاريخاً كانت فيه المرأة حاضرة في إدارة الشأن العام وصناعة القرار.

كانت الشيخة حصة «سيدة حكم وسيدة أعمال»، ففي عام 1944، وصفتها إحدى المجلات الهندية بـ«شريكة الحكم»، خلال تغطيتها زيارة الشيخ سعيد بن مكتوم إلى الهند.

كان لها مجلس تستمع فيه إلى التجار من وراء ستار، وتناقش قضايا الاقتصاد وتنقل ما تراه مهماً إلى الشيخ سعيد، مارست التجارة عن طريق وكلاء، وعرفت بالعقود والمبايعات والعقارات.

وفي سنوات الشدة كانت سنداً للفقراء والأيتام وأهل العلم، فاجتمع في حضورها فهم شؤون المدينة والاقتراب من أهلها.

وكان أثر الشيخة حصة حاضراً في شخصية ابنها الشيخ راشد، الذي تعلم منها الحزم والحذر وفهم التجارة والاقتصاد، وأخذ من والده الشيخ سعيد التواضع والسماحة والحلم، ويصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذا التكوين بقوله: «وبذلك اكتملت شخصيته، وحلق بجناحيه ليبني أهم مدينة تجارية في الشرق الأوسط».

هذا الإرث الذي تلقاه الشيخ راشد من أمه بالمعايشة، ينقله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى بناته عبر سيرتها، فحين يقول إننا لا نحتاج إلى «نماذج مستوردة»، فإنه يذكرهن بأن تاريخهن يحمل تجارب نساء صنعن مكانتهن بالمعرفة والعمل وقوة الرأي.

ويستحضر بيت الشعر «فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم.. إن التشبه بالكرام فلاح»، في دعوة إلى أن يستلهمن من الشيخة حصة حكمتها وشجاعتها وروح المبادرة التي ميزتها، وأن يصنعن لأنفسهن مكانة في مجالات أوسع، كما استطاعت هي أن تفرض حضورها في شؤون الحكم والتجارة قبل عقود.

بعد ثمانية عقود، كانت سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد تقود وفداً حكومياً في كوريا الجنوبية، تبحث فرص التعاون في التعليم والتكنولوجيا والصحة والثقافة، وتلتقي طلبة إماراتيين يتهيأون لمستقبلهم.

وعلى منصة «إكس»، نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كلمات تعبر عن فخره بابنته، مشيداً بعملها وتفانيها وتمثيل بلادها، وواصفاً إياها بأنها «وجه دبي.. وصوت دبي أمام العالم»، في كلماته اعتزاز القائد، وفي فخره فرحة الأب، وفي دعائه «حفظك الله أينما كنت» حنان لا تبدله المناصب ولا المسافات، ومحبة سبقت كل إنجاز، وستبقى أبعد من كل لقب.

بين زمن حصة وزمن لطيفة تغير شكل مشاركة المرأة في صناعة القرار، كان تأثير الشيخة حصة يستند إلى قوة رأيها ومكانتها لدى الناس والحاكم، وأصبح حضور المرأة اليوم يتجسد أيضاً في قيادة المؤسسات والوفود والشراكات الدولية.

ومن مجلس ينقل صوت أهل دبي إلى الحكم، إلى وفد يحمل صوت دبي إلى العالم، تمتد مسيرة تمكين المرأة في دبي، بجذور ضاربة في تاريخها، وأدوار تتسع مع كل جيل، تغيرت المواقع، وتعددت المسؤوليات، وبقيت المرأة شريكة في صناعة دبي.

ولعل أجمل ما في هذا الامتداد أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد اختار من تاريخ أسرته ما يرويه لبناته عن امرأة أسهمت في بناء دبي، ثم اختار من عمل ابنته ما يقوله للعالم عن امرأة تمثل دبي، وبين الرسالتين تتجسد قيمة الإرث.