هل يشعر الناس بالقلق الداخلي عند سماع كلمة فن؟ يقترب البعض من الفنون ليختبروا أسئلتهم الدائرية، وآخرون ليستمتعوا، والقلة من أجل أن يربّوا مشاعرهم المهدرة في الحياة، ربما لا نعرف بالضبط لماذا نحتاج إلى الفن أصلاً، رغم أننا نعيش أشكاله وتعبيراته في كل لحظة من حياتنا، من الصوت المحيط بنا إلى الحركة البشرية، والقصص التي تحدث بكل مفارقاتها، فالإنسان لا تبدأ علاقته مع الفن عند أول موسيقى أو لوحة أو فيلم أو صورة، وإنما في تلك اللحظة التي يشعر فيها بعدم قدرته على التفسير، أمام الغروب أو صوت امرأة من مكان مجهول، أو دخول الشمس من نافذة مقهى صغير. لماذا كنا نحتاج إلى رجل خارق ومقنّع يستطيع أن يطير لينقذنا؟
ربما لأن الإنسان يبحث طوال الوقت عن شكل آخر لحياته، عن كائن يستطيع أن يفعل ما يعجز عنه، ويعبر عن ضعفه وقوته ومخاوفه من دون أن يحمل ملامحه، فنحن نمنح الخيال حرية واسعة كي يذهب بعيداً عنا، ونقبل أن تتحرك داخله شخصيات لا تشبه أحداً، حتى حين نستقبل طفلاً في عيد ميلاده بشخصية «سوبر مان» فإننا نمنحه فرصة الاقتراب من كائن فني سيبقى في ذاكرته، يحمل صورة البطل الذي لا يجده بين الأشخاص المحيطين به، لكن شيئاً يتغير حين تقترب الحكاية منا، حين يرتدي أبطالها ملابسنا، ويتحدثون بلهجتنا، ويمارسون الخير والشر داخل بيوتنا وشوارعنا، عندها لا نعود ننظر إلى الشخصية بوصفها بناء فنياً، وإنما نطالبها بأن تمثل صورتنا الأخلاقية والاجتماعية، ونمارس عليها نوعاً من «الرقابة بالتوكيل»، فنراقب أقوالها وأفعالها، ونحاكم سلوكها خارج سياق المعالجة الدرامية، كأن الشخصية التي تشبهنا مطالبة بأن تكون أفضل منا.
الشرير في الدراما لا يحتاج دائماً إلى عقاب كي نفهم شره، والخير لا يحتاج إلى الانتصار في المشهد الأخير كي نؤمن بوجوده، فالفن لا يتولى مهمة توزيع العدالة على الشخصيات، وإنما يمنح المتلقي فرصة النظر إلى أفعالها ودوافعها وتناقضاتها، وربما لا نحتاج دائماً إلى معرفة من انتصر ومن خسر، أو إلى نهاية تعيد الأشياء إلى أماكنها الصحيحة، فبعض الحكايات تتركنا أمام متعة الأجوبة، التي لم تكتمل، كما يحدث في الحياة، حين تبقى الأشياء داخلنا بوصفها أثراً لا حلاً.
