هل نواجه سلوكاً إيرانياً يحتاج إلى تقويم وتعديل وضبط، أم نواجه مشروعاً إيرانياً للتمدد والتوسع على حساب دول الجوار ولابد أن يتوقف؟.. إذ إن الفرق شاسع بين النظرتين إلى إيران. التفاوض مع إيران للطلب منها بأن تكون دولة طبيعية مع محيطها الجغرافي، تحترم دول الجوار ولها علاقات طبيعية معهم، تجارة وسياحة وتبادل منافع ومصالح مشتركة تراعى بين الجميع، وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وكأن مشكلتنا مع النظام الإيراني مشكلة سلوك يحتاج إلى تقويم، فنتفاوض حول الملف النووي والصواريخ والمسيّرات والأذرع بمسارات كل منها على حدة، ونفضل الحل الدبلوماسي لتناولها.
في حوار المنامة حيث المنتدى السنوي الذي عقد في البحرين بتنظيم من معهد (IISS) ووزارة الخارجية البحرينية، تحدث الأوروبيون وتحدث الآسيويون عن الظروف الحالية والحرب الإيرانية الأمريكية، والجميع متفق على أن أضرار الحرب التي تدور في الشرق الأوسط مكلفة جداً، وأن آثارها السلبية وصلت لهم شرقاً وغرباً، وأن هناك خسائر يومية تتضاعف مع مرور الوقت.
ولكن اتفق الجميع على أن الدبلوماسية هي الحل المثالي للمعضلة مع إيران على أساس أن الدبلوماسية هي الحل لأي خلاف، وهذا ما يختمون به حديثهم عن الأوضاع في المنطقة.. ولكن لا أحد منهم قال إن هذا الحل (المثالي) موجود منذ أكثر من 40 عاماً، جربه الجميع بلا استثناء بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، فجميع المحاولات كانت دبلوماسية قبل أن يتجرأ ترامب ويتصرف عكس ذلك.
لا أحد حدد إلى متى ستستمر الدبلوماسية، وماذا سيحدث إن لم ينفع الحل الدبلوماسي؟ تلك هي المعضلة التي تجعل من كل ما قيل كلاماً مفروغاً منه.
وإن تحدثوا عن الخطر الذي يشكله النظام الإيراني، فرّقوا ملفاته فصنفوا الحرس الثوري وهو أساس النظام وعاموده الفقري كمنظمة إرهابية، ثم تناولوا الملف النووي على أساس تخفيض التخصيب والسماح للمفتشين ووضعوا له عقوبات، ثم الملف الباليستي والمسيّرات وتحديد مداها، ثم ملف الأذرع والجماعات والفصائل المسلحة ومنعوا عنهم التمويل. ألم تكن كلها حلولاً دبلوماسية؟
في النهاية نجحت إيران في فصل تلك الملفات في المفاوضات على أساس أن كل واحدة مشكلة بحد ذاتها، إنما الواقع أن تلك ليست ملفات، بل أدوات لمشروع واحد، والتفاوض لابد أن يكون على توقف المشروع لا على تخفيض خطورة الأدوات.
هل أتينا بجديد؟ لا، إنما جمع تلك الملفات يعني مناقشة صلب السياسة الإيرانية ونظامها بشكل وجودي، وهنا لا أحد يريد أن يتحمل المسؤولية. لا أحد يريد أن يواجه إيران بأن زمن التمدد والتوسع انتهى، لم يعد هناك إمبراطوريات، نحن في زمن الدولة الوطنية التي لابد أن يحترم العالم حدودها وسيادتها، هذا هو جوهر القضية مع إيران.. هذه الحرب قائمة على إنهاء هذا المشروع لأن ملفاته كلها مرتبطة بجميع أدواته والعالم كله مقتنع بذلك، عدا النظام الإيراني.. أما الحل الدبلوماسي فإنه مطروح منذ أربعين عاماً على هذا النظام ولم ينجح.
ألم يكن الاتفاق النووي عام 2015 حلاً دبلوماسياً؟.. نعم، لكن لأنه مجتزأ، أخذت إيران ما حُوِّل لها من مبالغ وحولتها إلى أذرعها.. كل هدنة دبلوماسية لوقف تبادل إطلاق الصواريخ تستغلها إيران لتعزيز أذرعها وتزويدها بمزيد من الصواريخ والمسيّرات. الخلاصة: لا أحد يريد أن يتحمل مسؤوليته بالرغم من أن الجميع متفق على أن أمن منطقة الخليج هو أمن دولي، وأن المشروع الإيراني هنا في الشرق الأوسط، لكنه يؤثر في حياة الأوروبيين والآسيويين على حد سواء.
