«ند زعبيل».. اقتصاد يخرج من المختبر

قبل بضعة أيام احتفلت جامعة ستانفورد بالذكرى الخامسة والسبعين لمجمعها البحثي الذي ساعد في إنشاء وادي السيليكون. هذا الأسبوع تم الإعلان عن مشروع «ند زعبيل» لأبحاث المستقبل في دبي، لتضيف الإمارة بنية بحثية جديدة إلى اقتصاد أمضى أكثر من ربع قرن في بناء المقومات التي تحتاجها الشركات والتكنولوجيا ورؤوس الأموال للنمو.

في عام 1999 أطلقت دبي مدينة الإنترنت، وواصلت بعدها تأسيس المناطق الاقتصادية المتخصصة والحاضنات ومراكز الأعمال واستقطاب المؤسسات التكنولوجية العالمية وكفاءاتها، وخلال خمسة عشر عاماً أضافت مدينة دبي للإنترنت وحدها مئة مليار درهم إلى الناتج المحلي للإمارة، وأصبحت تضم تسعة عشر مركزاً للابتكار والبحث والتطوير تابعاً لشركات عالمية، هذا التراكم الاقتصادي والتقني أسس لبيئة تتفاعل فيها الشركات الكبرى مع المؤسسات الناشئة والمستثمرين والكفاءات المتخصصة، وتوسعت معها قدرة دبي على تطوير أنشطة تكنولوجية جديدة.

حافظت دبي خلال 2025 على صدارتها العالمية للعام الخامس على التوالي في استقطاب مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة، بعدما جذبت 1253 مشروعاً شكلت سبعة بالمئة من إجمالي هذه المشاريع عالمياً، باستثمارات بلغت 32.4 مليار درهم ووفرت نحو 39 ألف فرصة عمل، وفقاً لبيانات «إف دي آي ماركتس» التابعة لفايننشال تايمز، حضور عالمي يمنح المؤسسات البحثية في دبي شبكة واسعة من الشركاء والمستثمرين والأسواق، ويساعد على تطوير الابتكارات وتسويقها، ويتيح للمشاريع الناشئة الوصول إلى شركاء يمتلكون خبرات صناعية وتكنولوجية متقدمة.

بالتوازي مع هذا البناء الاقتصادي، رسخت دبي منظومة مؤسسية لاستشراف المستقبل، بدأت مع مؤسسة دبي للمستقبل عام 2016، ثم برنامج البحث والتطوير الذي أطلق عام 2022، وخصصت لمرحلته الثانية 750 مليون درهم، وفي مطلع العام الجاري موّلت المؤسسة 26 مشروعاً بحثياً في مجالات الصحة وعلوم الحياة ومدن المستقبل، ضمن منظومة موحدة للبحث والتطوير تأسست في نهاية العام الماضي، هذا المسار يستهدف إضافة عشرين مليار درهم سنوياً إلى الناتج المحلي من خلال البحث والتطوير والابتكار، ويعكس تحولاً متدرجاً نحو توسيع مساهمة المعرفة في النمو الاقتصادي.

يأتي «ند زعبيل» ليجمع هذه الجهود في مجمع يُنتظر إنجازه خلال خمس سنوات في حديقة زعبيل، ويستهدف مشاركة أكثر من ثلاثين ألف باحث ومتخصص ورائد أعمال سنوياً في برامجه وفعالياته. موقعه بالقرب من مركز دبي المالي العالمي ومتحف المستقبل وأبراج الإمارات يضع المختبرات في محيط يضم القطاع الخاص والممولين والمؤسسات الحكومية والجهات المعنية بتطوير التشريعات، ومع تسارع دورة الابتكار وارتفاع كلفة تطوير التقنيات المتقدمة، تزداد أهمية هذا التقارب في تسهيل الشراكات وتمويل الأبحاث وتجريب تطبيقاتها وتطوير المنتجات الجديدة، خصوصاً في قطاعات تتطور تشريعاتها بالتوازي مع تقنياتها.

تجربة ستانفورد تكشف كيف حوّل التقارب بين الجامعات والمؤسسات الصناعية والمستثمرين براءات الاختراع إلى أصول اقتصادية، وأنشأ شركات حول التقنيات الجديدة، وأعاد استثمار المعرفة في أجيال متعاقبة من الباحثين ورواد الأعمال.. وامتد الأثر إلى القطاعات القائمة، فالتقدم في علوم المواد والحوسبة والتكنولوجيا الحيوية قادر على رفع الإنتاجية وتغيير أساليب التصنيع وفتح أسواق جديدة، وفي دبي تتشكل هذه العلاقات فوق قاعدة اقتصادية قائمة، بما يمنح الأبحاث فرصاً أوسع للاستفادة من حضور الشركات العالمية والمؤسسات المالية والأسواق التي ترتبط بها الإمارة.

وقد ربط صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في إعلانه المشروع بين تحديات الأمم وبطء استعدادها للمستقبل، وهي فلسفة حكم تجسدت في قرارات استبقت تحولات اقتصادية وتكنولوجية كبرى، وأصبحت جزءاً من هوية دبي التنموية. واليوم تستهدف الإمارة ضمن برنامجها للبحث والتطوير تأسيس 600 شركة ناشئة قائمة على الابتكار، ورفع صادرات التقنيات المتقدمة إلى ستة مليارات درهم سنوياً بحلول 2033.

ويضع «ند زعبيل» البحث العلمي في قلب هذه الطموحات، حيث يمكن أن تتحول نتائج الأبحاث إلى براءات اختراع تسجل في دبي، وشركات تتأسس على أرضها، ومنتجات تحقق إيرادات في الأسواق العالمية، فالمدينة التي استضافت مخرجات البحث العالمي طوال ربع قرن تستعد لتصبح أحد مصادره.