في ليلة اجتمع فيها الناس للاحتفاء ببداية زواج، جلست إلى جواري سيدة تحمل في قلبها حكاية زواج انتهى، لكن وجعه ظل ممتداً في قلوب لم تكن طرفاً فيه.
لم تبدأ حديثها بشكوى، ولكنها سألتني إن كنت أستطيع أن أكتب عن تجربة ابنها مع الطلاق. فأجبتها بأنني غالباً ما أكتب حين يؤلمني موقف، أو يستفزني واقع، أو أشعر بأن هناك ما يستحق أن نرفع الصوت من أجله، أملاً في أن تُحدث الكلمات فرقاً. لم أكن أعلم أن ما سترويه لي سيمنحني الأسباب الثلاثة معاً.
قالت إن ابنها، رغم حقه في رؤية أبنائه، كان يواجه ضغوطاً وعراقيل متكررة من طليقته وأهلها، حتى تضيق عليه ساعات اللقاء القليلة. ثم سكتت لحظة، قبل أن تضيف بصوت ارتجف تحت وطأة الشوق: «وأنا بعد مب شايفتهم من 4 سنين... اشتقت لهم».
لم تبكِ، لكن صوتها كان يحمل من الوجع ما تعجز عنه الدموع. وفي تلك الرجفة الصغيرة اختبأت سنوات من الانتظار والاشتياق، وحسرة عمر، وعجز امرأة لم تعد تطلب من الدنيا سوى أن ترى وجوهاً تحبها.
ثم أخرجت هاتفها، وفتحت «محادثات واتساب» تعود إلى عام 2022. أخذت تُريني رسائل أرسلتها إلى طليقة ابنها ووالدتها، تناشد فيهما أن تسمحا لها برؤية أحفادها، أو أن ترسلا لها صورهم، أو حتى أن تتيحا لها سماع أصواتهم.
رسائل كثيرة، يجمعها رجاء واحد، ويقابلها صمت واحد.
قالت إن أفراداً من أسرتها طلبوا منها أن تتوقف عن المحاولة، وألا تُهين نفسها بمراسلة من لا يجيبها. لكنها لم تستطع. فكيف لقلب جدة أن يقتنع بأن الشوق إهانة، أو أن التوقف عن السؤال عمّن تحب هو السبيل إلى حفظ كرامتها؟
كنت أنظر إلى تلك الرسائل، وأتساءل كيف يمكن أن تتضاءل أمنيات الإنسان إلى هذا الحد؛ من لقاء الأحبة واحتضانهم، إلى الاكتفاء بصورة، ثم إلى مجرد صوت، ثم إلى خبر يطمئن القلب بأنهم بخير.
غادرت ذلك الحديث، لكنه لم يغادرني. فما روته لي لم يكن مجرد خلاف بين زوجين انتهى بالطلاق، بل صورة لوجع يمتد إلى قلوب لم تكن يوماً طرفاً في الخلاف. وأكثر ما استوقفني كان التفكير في أحفادها. ماذا يعرفون عن هذا الغياب؟ وهل يدركون أن هناك من يشتاق إليهم كل هذا الشوق، أم أنهم يكبرون بعيداً عن جزء من عائلتهم، دون أن يعرفوا ما الذي افتقدوه؟
هنا تكمن إحدى أكثر صور الطلاق إيلاماً، حين لا ينتهي بانفصال الزوجين، بل يمتد ليعيد رسم علاقات الأطفال بمن حولهم، وفقاً لمشاعر الكبار وخلافاتهم، لا وفقاً لاحتياجات الصغار وحقوقهم. فالطلاق قد يكون ضرورة حين تستحيل الحياة المشتركة، وليس من الإنصاف أن نحكم على تجربة لم نعش تفاصيلها، أو أن نختزل خلافاً معقداً في رواية طرف واحد. لكن انتهاء الزواج لا ينبغي أن يعني انتهاء الروابط التي نشأت عنه، ولا أن تصبح مشاعر الأطفال امتداداً لخصومة الكبار.
فالزوجان قد يكون لهم الاختيار في قرار الانفصال، أما الأطفال فليس لهم اختيار في قرار الفقد.
وما أقسى أن يجد الطفل نفسه، دون إرادة منه، أمام ولاءات متعارضة؛ أن يشعر بأن حبه لأبيه قد يغضب أمه، أو أن اشتياقه لأحد أفراد عائلته أمر ينبغي أن يخفيه.
وقد لا يدرك الصغار حقيقة ما يجري حولهم، لكنهم يدركون الغياب، وقد يحملون أثره في إحساسهم بالأمان والانتماء. فبعض الجراح لا تُحدث ضجيجاً حين تقع، ولكن بعض ما ينكسر في النفس لا نسمع صوته إلا بعد سنوات.
ولا يتوقف أثر هذا الانقطاع عند الوالدين وحدهما، بل يمتد أحياناً إلى الأجداد والجدات، أولئك الذين يشكلون جزءاً أصيلاً من ذاكرة الطفل وهويته. فهم ليسوا مجرد أقارب نلتقيهم في المناسبات، بل ذاكرة البيوت، وحكايات الأجيال، والوجوه التي تمنح الطفولة شعوراً بالامتداد والانتماء.
وحين تنقطع هذه الصلة، لا يخسر الأجداد أحفادهم وحدهم، بل يخسر الأطفال أيضاً محبة وذكريات وجذوراً كان يمكن أن تثري حياتهم. ولعل هذا ما جعل السنوات الأربع التي ذكرتها تلك الجدة تبدو لي أثقل من أن تُختصر في رقم أربع سنوات.
في عمرها، كانت سنوات من الانتظار. وفي عمر أحفادها، قد تكون مرحلة كاملة من الطفولة؛ تتغير فيها الملامح، وتكبر الأيدي الصغيرة، وتتبدل الأصوات، وتمضي لحظات كان يمكن أن تصبح ذكريات مشتركة.
كم عيداً مضى؟ وكم مناسبة غابت عنها؟ وكم مرة كان يمكن أن تمتد يد صغيرة إلى يد جدتها، لولا مسافات صنعتها خلافات الكبار؟
فبعض ما نفقده لا يمكن استعادته حين تعود العلاقات؛ لأن ما ضاع لم يكن مجرد لقاءات، بل عمراً كان يمكن أن نعيشه معاً.
ومن هنا تصبح مسؤوليتنا تجاه الأطفال أكثر إلحاحاً حين تنتهي العلاقة الزوجية. فليس كل من تألم يملك الحق في أن يُؤلم، وليس كل من ظُلم يحق له أن يجعل الآخرين يدفعون ثمن ظلمه.
قد تكون هناك خلافات قاسية، وتجارب يصعب تجاوزها، بل وظروف تستدعي أحياناً تقييد التواصل حمايةً للطفل من ضرر حقيقي. لكن الحماية شيء، وتحويل الأطفال إلى أدوات للعقاب أو الانتقام شيء آخر، والفرق بينهما تصنعه الحكمة، ويحدده الإنصاف، وتبقى فيه مصلحة الطفل فوق كل اعتبار.
وهذه المسؤولية لا تقع على الزوجين وحدهما، بل تمتد إلى من يحيطون بهما، وفي مقدمتهم الأمهات، اللواتي قد يجدن أنفسهن بين غريزة حماية أبنائهن وبناتهن، وواجب إرشادهم إلى ما هو أكثر عدلاً ورحمة.
فالأم التي ترى ابنتها تتألم بعد زواج لم يُكتب له الاستمرار، من الطبيعي أن تحتضن وجعها، وأن تقف إلى جانبها. لكن الأمومة لا تكتمل بمشاركة الألم وحده، بل بالقدرة على ألا نسمح لذلك الألم بأن يتحول إلى ظلم للآخرين. فليس كل انحياز لأبنائنا نصرة لهم، ولا كل تأييد لمواقفهم دليلاً على محبتنا. وأحياناً، تكون أعظم صور الأمومة أن نقول لأبنائنا ما يحتاجون إلى سماعه، لا ما يرغبون في سماعه.
والأم التي عرفت معنى الأمومة، وخبرت ما يربط القلوب بأبنائها وأحفادها، أقدر من غيرها على أن تتخيل وجع أم أخرى حُرمت من رؤية أحفادها. فكيف لا تمتد رحمة أم إلى قلب أم مثلها؟ وكيف لا تكون خبرة السنين جسراً للتقريب، بدلاً من أن تتحول إلى طرف جديد في الخصومة؟
ليس المطلوب أن تتغاضى أم عن أذى تعرضت له ابنتها، أو أن تتهاون في سلامة أحفادها، بل أن تكون صوتاً للحكمة حين تعلو أصوات الغضب، وأن تذكّر ابنتها بأن انتهاء علاقتها بزوجها لا ينبغي أن يحرم أبناءها من علاقات آمنة بمن يحبونهم.
وما أحوج الأسر، حين تتصدع العلاقات، إلى من يرمّم ما يمكن ترميمه، لا إلى من يوسّع الشقوق؛ وإلى من يذكّر المتخاصمين بأن وراء خلافاتهم أطفالاً يحتاجون إلى الطمأنينة أكثر مما يحتاج الكبار إلى الانتصار.
إن النضج الحقيقي لا يظهر فقط في قدرتنا على بناء العلاقات، بل في الطريقة التي ننهيها بها. وليست الرحمة ضعفاً، ولا يعني التسامح التنازل عن الحقوق. لكن ثمة مساحة واسعة بين المصالحة والقطيعة، يمكن أن تسكنها الحكمة، وتحكمها المسؤولية، وتبقى فيها مصلحة الأطفال فوق كل اعتبار.
ولعل ما نحتاج إلى مراجعته في مجتمعاتنا ليس نظرتنا إلى الطلاق بحد ذاته، بل إلى ما يحدث بعده. فنحن نكثر الحديث عن صلة الرحم، وعن مكانة الأسرة، وعن الرحمة والتسامح، لكن قيمة هذه المبادئ لا تظهر حين تكون العلاقات مستقرة، بل حين تتصدع، وحين يصبح الوفاء لها أصعب من التخلي عنها.
فالطفل ليس ملكاً لأحد، ولا امتداداً لمشاعر أحد، ولا ساحة يُحسم فوقها خلاف الكبار. إنه إنسان له احتياجاته وعواطفه وحقه في أن ينشأ محاطاً بعلاقات آمنة، بعيداً عن أعباء لم يخترها.
وإذا كنا نريد أن نورّث أبناءنا قيمة الأسرة، فلنبدأ بألا نورّثهم خصوماتنا. ما زلت أستعيد صورة تلك الجدة في حفل الزفاف. أستعيد ارتجاف صوتها، وهاتفها الذي يحتفظ برسائل امتدت عبر السنوات، كأنها تحاول بالكلمات أن تُبقي صلة عجزت عن إبقائها اللقاءات.
لا أعرف تفاصيل ما حدث بين ابنها وزوجته السابقة، ولا أملك أن أحكم على ما غاب عني من أسباب وملابسات. لكنني أعرف أن الحزن الذي رأيته كان حقيقياً، وأن وراء كثير من الخلافات العائلية قلوباً صامتة تتحمل نتائج قرارات لم تكن شريكة فيها.
وأكثر ما يؤلمني حين أتذكرها هو أن الزمن لا ينتظر أحداً. فبينما تنتظر تلك الجدة جواباً، يكبر أحفادها بعيداً عنها. تتغير ملامحهم، وتتبدل أصواتهم، وتمضي من طفولتهم سنوات لن تستطيع استعادتها، حتى لو عاد اللقاء يوماً.
وربما يأتي ذلك اليوم، فتحتضنهم أخيراً، وتروي لهم كم اشتاقت إليهم، وكم مرة أمسكت هاتفها على أمل أن تجد رسالة أو صورة أو خبراً عنهم. وربما يسألونها لماذا غابت عن حياتهم كل تلك السنوات، وهي التي لم تتوقف يوماً عن انتظارهم.
لقد التقيت تلك السيدة في ليلة كان الجميع يحتفل فيها ببداية زواج، لكنني خرجت منها أفكر في مسؤوليتنا حين ينتهي زواج آخر. ففي البدايات، نحتفي بالحب الذي يجمع شخصين، لكن في النهايات، ننسى أحياناً أن هناك قلوباً أخرى نشأت من ذلك الحب، وأن انتهاء العلاقة لا يمنحنا الحق في اقتلاع جذورها.
ولعل ما لم أدركه حين طلبت مني تلك الجدة أن أكتب حكايتها، هو أنها لم تكن تبحث عن مقال بقدر ما كانت تبحث عن صوت يصل إلى حيث لم تصل رسائلها.
ولا أكتب اليوم لأحكم بين طرفين، بل لأن بعض الحكايات تستحق أن تُروى، وبعض الأصوات تستحق أن تُسمع، فالطلاق قد ينهي زواجاً، لكنه لا ينبغي أن يمحو عائلةً من ذاكرة طفل، أو أن يحوّل الحب إلى امتياز يمنحه الكبار أو يمنعونه وفقاً لخلافاتهم.
وإذا كان الكبار يملكون حق إنهاء علاقاتهم، فمن منحهم الحق في أن يقرروا أيّ القلوب تبقى في حياة أطفالهم، وأيّها تُمحى منها؟